إذا سقطت إيران .. هل يبدأ السلام أم يولد شرق أوسط أكثر خطورة؟
سمير حمدان - بودابست
22-07-2026 04:04 PM
قد يكون أكبر خطأ في قراءة المشهد الإيراني هو الاعتقاد بأن سقوط النظام سيقود تلقائيًا إلى شرق أوسط أكثر استقرارًا، فالتاريخ لا يقيس نتائج التحولات السياسية بلحظة سقوط الحكومات، بل بقدرة الدول على البقاء بعد تلك اللحظة، فالأنظمة قد تتغير خلال أيام، أما الدول فإذا فقدت مؤسساتها فقد تحتاج سنوات طويلة حتى تستعيد توازنها، وربما لا تستعيده بالصورة التي عرفها العالم، ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمن سيجلس في قصر الرئاسة في طهران، بل بمن سيمنع الفراغ إذا ضعفت مؤسسات الدولة، لأن إيران ليست دولة يمكن عزل أزماتها داخل حدودها، بل قوة إقليمية يرتبط موقعها بالخليج، وبحر قزوين، وآسيا الوسطى، وتمتد تأثيراتها إلى أمن الطاقة، والممرات التجارية، وحسابات الأمن الإقليمي، ولذلك فإن أي تحول عميق فيها لن يبقى شأنًا داخليًا، بل سيعيد اختبار توازنات الشرق الأوسط بأكمله.
يفترض كثيرون أن نهاية النظام تعني نهاية التوتر، غير أن تجارب العقود الأخيرة تدعو إلى قدر أكبر من الحذر، ففي العراق أدى انهيار مؤسسات الدولة إلى فراغ أمني طويل، وفي ليبيا فتح غياب السلطة المركزية الباب أمام تعدد مراكز النفوذ، أما سوريا فتحولت إلى ساحة تشابكت فيها المصالح الإقليمية والدولية، وإيران تختلف عن هذه الحالات بحجمها السكاني، وبنيتها المؤسسية، وثقلها الجيوسياسي، لكنها لا تختلف عن حقيقة أن أي فراغ في مركز القرار يغري قوى متعددة بمحاولة ملئه، وعندما تتراجع الدولة يتقدم السلاح، وتتراجع السياسة، وتصبح السيطرة على الأرض أكثر أهمية من السيطرة على المؤسسات، وهنا يبدأ الخطر الحقيقي، لأن انهيار الدولة لا يبدل السلطة فقط، بل يغير طبيعة الصراع وقواعده، ويجعل إعادة الاستقرار أكثر صعوبة من إسقاط النظام نفسه.
ولا تتوقف التداعيات عند الداخل الإيراني، إذ قد تتوسع مطالب بعض المناطق بصلاحيات أكبر إذا ضعفت السلطة المركزية، وقد تجد جماعات مسلحة أو شبكات تهريب فرصة لتعزيز نفوذها، كما ستنعكس الفوضى على الاستثمار، وسلاسل الإمداد، والأسواق المالية، لأن عدم الاستقرار في دولة بهذا الحجم لا يبقى محصورًا داخل حدودها، بل يمتد سريعًا إلى جوارها، ولهذا تؤكد دراسات استراتيجية أن كلفة انهيار الدول لا تقاس فقط بالخسائر البشرية، بل أيضًا بما تتركه من فراغات أمنية واقتصادية تستمر آثارها سنوات، إذ إن إعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة غالبًا ما تكون أصعب من إعادة إعمار المدن والبنية التحتية.
أما دول الخليج، فإنها ستكون من أكثر الأطراف تأثرًا بأي اضطراب واسع داخل إيران، ليس لأنها تختلف سياسيًا مع طهران فحسب، بل لأنها اعتادت التعامل مع سلطة مركزية واضحة يمكن ردعها أو التفاوض معها، أما إذا تعددت مراكز القرار، فإن أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز سيصبح أكثر هشاشة، وسترتفع مخاطر الحوادث غير المنضبطة، وتكاليف التأمين البحري، وتقلبات أسواق الطاقة، وهي تداعيات لن تتوقف عند حدود المنطقة، بل ستنعكس على الاقتصاد العالمي، ولهذا قد تجد عواصم كثيرة نفسها أمام مفارقة استراتيجية، وهي أن الحفاظ على تماسك الدولة الإيرانية قد يصبح مصلحة مشتركة حتى بين أطراف تختلف جذريًا حول سياسات النظام القائم، لأن وجود دولة يمكن التعامل معها يبقى أقل كلفة من فراغ لا يملك أحد السيطرة عليه.
ومن هنا تتقاطع حسابات القوى الكبرى، فروسيا ترى في إيران شريكًا مهمًا في جنوب القوقاز وبحر قزوين، والصين تنظر إليها باعتبارها عقدة مؤثرة في طرق التجارة والطاقة، وحتى الولايات المتحدة، رغم خصومتها الطويلة مع طهران، تدرك أن انهيار دولة بهذا الحجم قد يطلق سلسلة أزمات يصعب احتواؤها، ولذلك قد يكون السباق الحقيقي في أي مرحلة انتقالية ليس للسيطرة على إيران، بل لمنع انهيارها، عبر دعم المؤسسات القادرة على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، لأن إدارة النفوذ أقل كلفة من إدارة الفوضى، ولأن إسقاط الأنظمة أثبت عبر التاريخ أنه أسهل كثيرًا من إعادة بناء الدول بعد انهيارها.
ويبقى انتقال السلطة من داخل مؤسسات الدولة أحد السيناريوهات الممكنة، لكنه يظل رهين توازنات داخلية معقدة يصعب التنبؤ بها، فالدول الكبرى لا تتحرك وفق رغبات الخارج وحدها، بل وفق شبكة متداخلة من المصالح، والمؤسسات، والاقتصاد، والشرعية، ولهذا فإن اختزال مستقبل إيران في مصير حكومة أو شخصية سياسية يختزل مشهدًا أكثر تعقيدًا، فالجغرافيا، والموارد، والموقع الاستراتيجي، ستظل عناصر ثابتة تفرض نفسها على أي قيادة جديدة، وقد يختلف العالم حول النظام الذي يحكم إيران، لكنه قد يجد نفسه متفقًا على حقيقة واحدة، وهي أن انهيار الدولة لن يكون انتصارًا لأي طرف، بل بداية أزمة سيدفع الجميع ثمنها، لأن التاريخ لا يتذكر فقط من أسقط الأنظمة، بل يتذكر أيضًا من عجز عن منع انهيار الدول، وهي اللحظة التي يعاد فيها رسم خرائط المنطقة لعقود طويلة.