طبقة وسطى حائرة تبحث عن نخب جديدة
إبراهيم غرايبة
25-07-2026 12:06 PM
تواجه الطبقات الوسطى اليوم تحديات كبرى، كما أنها مرتبكة في تقدير أولوياتها وتحالفاتها بل وفي وعي تراثها ووجودها، وفي ذلك فإن الطبقات الوسطى لم تعد حاضنة اجتماعية للحرية، ويبدو أنها لم تعد قادرة على التعبير عن المجتمعات والطبقات المهنية التي أنشأت ما سمي الطبقة الوسطى عندما صعدت العلوم والمهن المتقدمة لتصوغ العالم المعاصر الذي سمي عصر الصناعة؛ هي على الأرجح حالة مؤقتة حتى تتضح التشكلات الاجتماعية والسياسية المصاحبة للعولمة والتكنولوجيا الجديدة، وتعبر المهن الجديدة والمتحورة والمتبلورة عن نفسها ووجودها ووعيها.
في النظر إلى الإصلاح بأنه وعي الطبقة الوسطى لما تحب أن تكون عليه، وارتباط تحقيق وعيها بضرورة الارتقاء بأداء الحكومة والسوق والمجتمعات وتنظيم علاقاتها معاً، فإن الطبقة الوسطى (يفترض) أن تقود عمليات الشراكة هذه بين السلطة والمجتمع والشركات وتنظم العلاقات بينها، وتنشئ القيم الأساسية المشكلة للمدن والمهن والقوانين والتشريعات، بمعنى أن يتحول الإصلاح والتقدم إلى مصلحة أساسية لطبقة واسعة في المجتمع ممتدة فيه وتتشابك مصالحها وأعمالها مع كل الطبقات والمؤسسات، وهكذا ببساطة لا يمكن النظر بجدية إلى إصلاح ممكن أو متوقع لا تنخرط فيه الطبقة الوسطى.، وارتباط تحقيق وعيها بضرورة الارتقاء بأداء الحكومة والسوق والمجتمعات وتنظيم علاقاتها معاً، فإن الطبقة الوسطى (يفترض) أن تقود عمليات الشراكة هذه بين السلطة والمجتمع والشركات وتنظم العلاقات بينها، وتنشئ القيم الأساسية المشكلة للمدن والمهن والقوانين والتشريعات، بمعنى أن يتحول الإصلاح والتقدم إلى مصلحة أساسية لطبقة واسعة في المجتمع ممتدة فيه وتتشابك مصالحها وأعمالها مع كل الطبقات والمؤسسات، هكذا ببساطة لا يمكن النظر بجدية إلى إصلاح ممكن أو متوقع لا تنخرط فيه الطبقة الوسطى.
هذا هو الشرط الغائب اليوم في العملية السياسية والثقافية. لماذا تغيب الطبقة الوسطى عن العملية الإصلاحية؟ لماذا تبدو مستبعدة أو غير معنية بالأحداث والتفاعلات السياسية الجارية؟
نحتاج في الأردن حتى نستوعب عاصفة التحولات إلى نهضة إصلاحية تبدل الطبقات والنخب الراسخة (يشمل ذلك المعارضات أيضا) والعلاقة مع الموارد التي تشكلت منذ مائة عام على نحو يحتاج إلى تغيير كبير، وتعيد تشكيل المجتمعات والمدن والطبقات والمهن والنقابات والأحزاب والجماعات، وربما يفسر ذلك لماذا لم تنشئ الانتخابات النيابية والعامة التي تجري منذ قيام الدولة الحديثة والأحزاب والجمعيات والأفكار السياسية والإيديولوجية الراسخة منذ عقود طويلة ديموقراطية حقيقية وحياة سياسية وثقافية متقدمة. ذلك أن النخب السياسية القائمة تسلك في استراتيجية تقوم على إدارة انتخابات وديموقراطية صحيحة من الناحية القانونية ولكنها ديموقراطية تستبعد فرص الطبقة الوسطى في التأثير.
الإصلاح يبدأ بمراجعة الرواية المنشئة للأزمة، وهي متصلة بالاعتساف والافتعال في تنظيم وإعادة توزيع التأثير والموارد، وفي صياغة المجتمعات والمؤسسات الوطنية والمدن والأسواق على نحو يؤدي حتماً إلى الأزمة، وأخيراً بسبب الخلل الكبير في إدارة وتوزيع العبء الضريبي وقدرة المجتمعات والطبقات الوسطى على إسماع صوتها والمشاركة في التخطيط والقرار. كيف تكون المجتمعات شريكاً في الموارد والتنمية والمسؤولية؟ كيف توضع السوق في مكانها الصحيح المنشئ للتقدم؟ كيف تتشكل القيادات الاجتماعية والاقتصادية على نحو تفاعلي وتنافسي طبيعي وعادل؟
والجزء الأصعب من الإصلاح (المفترض أن تحققه العمليات السياسية والانتخابات العامة) هو نشوء طبقة جديدة من القادة والنخب مرتبطة بالإصلاح وليس بالفساد، وأصعب من ذلك كله أن الإصلاح الاجتماعي في جوهره هو طبقة تحل محل طبقة أخرى، إنه تبادل قاسٍ ومؤلم للتأثير والنفوذ. يجب أن نعترف أن الإصلاح لن يكون إلا محصلة لصراع اجتماعي وسياسي معقد وطويل.
الطبقة الوسطى اليوم تبدو بأحلامها المفترضة مزعجة، كأنها يجب ألا تكون موجودة، هي عدوّ للنخب المتصارعة؛ لأنها موجودة، مأزق الطبقة الوسطى أنها موجودة.
بالطبع، فإن الطبقة الوسطى تتحمل مسؤولية كبرى في تنظيم نفسها حول أولوياتها وفي إنشاء منظومة سياسية واجتماعية تجعل الجدل حول التقدم والتنمية، وإعادة العقد الاجتماعي المنظم للعلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع على أسس جديدة لا مكان فيه لأيديولوجيات تعمل بعيدا عن تحسين الحياة، ولكن على أساس حرية الناس وولايتهم على الموارد وتنظيمها، على أساس عادل وصحيح، وأن تفهم الأزمة كما هي بوضوح، أزمة الطبقة المهيمنة منذ قيام الدولة الحديثة، والتي لا يعني الإصلاح بالنسبة اليها وإلينا بالطبع سوى التنازل عن من مكتسبات كثيرة راسخة ومتراكمة، صحيح أنها مكتسبات تحولت إلى منظومة اقتصادية واجتماعية مكرّسة، وأنها سوف تؤثر على فئات نشأت في هذه المنظومة وكأن ذلك هو الأصل والصواب.
والمشكلة الأخرى للنخب المهيمنة أنها منفصلة عن الواقع وغير قادرة على تصور حجم الوعي الجمعي الجديد؛ ولا هي قادرة أيضاً على ادراك مدى قوة السأم والطاقة الهائلة والخطيرة الصادرة عنه، سأم المجتمعات والطبقات وأصحاب المهن والأعمال والجامعيين والمتعولمين، والمتطلعين الى الحرية والكرامة. إنه سأم جارف وأخشى أن يتحول في ظل عدم مبادرة هذه الطبقات التي لا تجد نفسها لدى أي من الطرفين إلى تنظيم نفسها خارج الصراع ومحاولة التفاهم مع جميع الفئات ليكون لها مكان من دون إزاحة الآخرين أو القضاء عليهم؛ إلى فوضى جارفة تأخذ كل شيء في طريقها إلى المغامرة والمجهول.