عندما يصبح التغيير شرطًا للإنقاذ الوطني
جمال زقوت
27-07-2026 09:16 PM
من سلطةٍ ولّدتها الانتفاضة… إلى انتفاضةٍ تبحث عن قيادة
لم تعد اللحظة الفلسطينية الراهنة مجرد جولة جديدة من الصراع مع الاحتلال، بل أصبحت لحظة اختبار وجودي تتقاطع فيها كل عناصر الخطر؛ حرب مدمرة على قطاع غزة، وتصعيد استيطاني إرهابي غير مسبوق في الضفة الغربية، ومحاولات متسارعة لفرض وقائع دائمة على الأرض، في ظل انهيار واضح لمنظومة العدالة الدولية وعجز المجتمع الدولي عن وقف الجريمة أو ردع مرتكبيها.
داعشية المستوطنين، بحماية جيش الاحتلال الارهابي، لا تخوض اعتداءات منفصلة، بل حربًا يومية معلنة على الوجود الفلسطيني، وكأن حكومة تل أبيب تسابق الزمن لفرض واقع جديد. وفي المقابل، تبدو القيادة الفلسطينية الرسمية أسيرة حالة من العجز السياسي، ولا تملك سوى الحديث عن “اتصالات إقليمية ودولية” لم توقف قتلًا، ولم تمنع استيطانًا، ولم تحمِ إنسانًا.
المشكلة هنا ليست فقط في محدودية الأدوات، بل في غياب رؤية قادرة على إعادة بناء عناصر القوة الفلسطينية. فالاحتلال لم يكن يومًا يبحث عن ذرائع، لأن مشروعه سابق لكل الذرائع. ومن ظن أن ترك غزة تغرق في دماء أهلها سيحمي نفسه أو ما تبقى من فلسطين، اكتشف أن المشروع الاستعماري لا يُجزئ ُأهدافه؛ فما يجري في الضفة الغربية بما فيها القدس يؤكد أن الإرهاب اليهودي يستهدف الوجود الفلسطيني كله.
ومع ذلك، ما زال يتكرر خطاب “لا تعطوهم الذرائع”، حتى أصبح الدفاع عن البيت والأرض من والكرامة يُصوَّر وكأنه تجاوز للمحظورات السياسية. وهنا تكمن المأساة، ليس فقط كونها محاولة تقييد حق الشعب في مقاومة الاحتلال، بل تحميل الضحية مسؤولية جرائم المحتل.
لكن السؤال الأعمق هو: كيف وصلنا إلى هذه اللحظة؟ إن استحضار عام 1948 ليس استدعاءً للماضي، بل محاولة لفهم آليات الهزيمة عندما يغيب الفعل الوطني المنظم. فقد راهن الفلسطينيون آنذاك، في ظل اختلالات داخلية وإقليمية عميقة، على وعودٍ بالحماية، بينما كان المشروع الصهيوني يمتلك خطة واضحة وأدوات منظمة لحسم الوقائع على الأرض.
اليوم تختلف الظروف، لكن الدرس التاريخي حاضر. لم تعد الجيوش العربية تتحدث عن مواجهة، ولم يعد السؤال كيف يمكن منع الاحتلال من تنفيذ مشروعه، بل كيف يمكن التفاوض معه حول حدود جرائمه. وهنا تحوَّل الرهان على الخارج من أداة سياسية إلى بديل عن بناء القوة الذاتية.
ولعل المقارنة الأكثر ملموسية ليست فقط بين 1948 واليوم، بل بين تجربة الانتفاضة الأولى والواقع الراهن. فالانتفاضة الأولى لم تكن مجرد مواجهة شعبية مع الاحتلال، بل كانت نموذجًا لبناء القوة الوطنية من داخل المجتمع. لقد انطلقت من مفهوم المقاومة الشعبية الشاملة التي تشمل العصيان المدني، والإضرابات، والمقاطعة، وتنظيم التعليم، والرعاية الاجتماعية، والإنتاج المحلي، وكل أشكال التنظيم التي جعلت المجتمع الفلسطيني قادرًا على إدارة حياته وتعزيز صموده.
كانت القيادة الوطنية الموحدة تستمد شرعيتها من الناس، ولم تكن مهمتها إدارة السكان تحت الاحتلال، بل بناء قدرة المجتمع على مقاومته. لقد نشأت أنوية “سلطة الشعب”؛ سلطة اللجان الشعبية التي تلبي احتياجات المواطنين وتحمي صمودهم، لا سلطة تتحكم في أرزاقهم أو تعجز عن توفير الحد الأدنى من مقومات حياتهم.
نشوء السلطة وسؤال الحركة الشعبية
لكن المقارنة مع الانتفاضة الأولى لا تكتمل دون التوقف أمام سؤال أكثر إلحاحًا: ماذا حدث للفعل الشعبي الفلسطيني بعد نشوء السلطة؟
فمنذ قيام السلطة الوطنية، لم تختفِ روح المقاومة الشعبية، ولم يتوقف المجتمع عن إبداع أشكال جديدة من الاحتجاج والمواجهة. لكن اللافت أن أبرز موجات الفعل الجماهيري التي شهدتها السنوات الماضية لم تنطلق من مراكز وجود السلطة، بل غالبًا من المناطق التي لا تملك فيها السلطة حضورًا مباشرًا أو قدرة على الاحتواء، وفي مقدمتها القدس المحتلة.
فهبّة القدس عام 2017 ضد البوابات الإلكترونية، والهبات الشعبية المتعاقبة دفاعًا عن المسجد الأقصى والمدينة، وكذلك موجات الغضب التي عُرفت بانتفاضة السكاكين، كلها كشفت حقيقة سياسية مهمة بأن المجتمع الفلسطيني ما زال يمتلك قدرة على المبادرة عندما يشعر بأن وجوده وكرامته مهددان.
وهنا يبرز السؤال الكبير: هل المشكلة في غياب استعداد الشعب للفعل، أم في طبيعة البنية السياسية التي نشأت بعد أوسلو والتي فصلت تدريجيًا بين المجتمع ومشروعه الوطني؟
ففي الانتفاضة الأولى كانت القيادة تنبثق من المجتمع وتقوده، أما بعد قيام السلطة فقد نشأ نموذج مختلف؛ أصبحت فيه السلطة مركز القرار، بينما تراجعت قدرة المجتمع على إنتاج أدواته المستقلة. وبدل أن تكون المؤسسات الوطنية امتدادًا لحيوية الناس، أصبح جزء من المجتمع يشعر بأن المطلوب منه هو التكيف مع واقع سياسي محدود، لا إعادة صياغته.
إن القضية ليست في وجود سلطة وطنية من حيث المبدأ، بل في وظيفتها ودورها وبنيتها. فالسؤال ليس فقط، هل تستمر السلطة أم لا؟ بل، أي سلطة نريد؟ وما وظيفتها في مرحلةٍ ما زال الاحتلال فيها قائمًا؟
هل تكون سلطة إدارة للسكان تحت الاحتلال، تتكيف مع حدود ما يسمح به الاحتلال؟ أم أداة لتعزيز صمود المجتمع وبناء قدرته السياسية والتنظيمية وصولًا إلى إنهاء الاحتلال؟
أما المأزق الفلسطيني الراهن فلا يتمثل فقط في فشل السلطة. فالمشكلة الأعمق هي في غياب القدرة على الاعتراف بالفشل ومراجعة المسار، وفي تحول العجز إلى حالة يجري الدفاع عنها، بينما يستمر الاحتلال في تغيير الواقع على الأرض. فالسلطة التي قامت باعتبارها مرحلة انتقالية نحو الحرية والاستقلال تجد نفسها، بعد أكثر من ثلاثة عقود، أمام أسئلة جوهرية: إذا لم تنهِ الاحتلال، ولم توقف الاستيطان، ولم تحمِ الأرض، ولم توفر للمواطن الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي والاجتماعي، فما الذي يمنحها حق الاستمرار بصيغتها الحالية باعتبارها قيادة للمشروع الوطني؟
هنا يصبح السؤال مشروعًا: أي مفهوم للقيادة هذا؟
فالقيادة ليست امتيازًا دائمًا، ولا احتكارًا للتمثيل. شرعيتها لا تُمنح إلى الأبد، بل تُكتسب من قدرتها على أداء وظيفتها الوطنية. وعندما تفقد هذه الوظيفة، يصبح تغيير وتجديد القيادة ضرورة وطنية لا مجرد صراع على السلطة.
لكن الخروج من الأزمة لا يكون باستبدال أسماء بأسماء، ولا بإعادة توزيع المناصب، بل بإعادة بناء مفهوم القيادة نفسه؛ قيادة تنبع من المجتمع، وتستند إلى المشاركة الشعبية، وتعيد الاعتبار للمقاومة الشعبية المنظمة باعتبارها مشروعًا سياسيًا واجتماعيًا شاملًا.
السؤال اليوم ليس فقط: هل نحن على أبواب انتفاضة جديدة؟ فالانتفاضات لا تبدأ بقرار، بل تنفجر عندما يصل المجتمع إلى قناعة بأن الصمت أصبح أكثر كلفة من الفعل. وكل المؤشرات تشير إلى أن الفلسطينيين يقتربون من لحظة الانفجار هذه.
فالسؤال الحقيقي هو: أي انتفاضة ستكون؟
هل ستكون عودة إلى نموذج 1987، حيث يتحول الغضب الشعبي إلى مشروع وطني منظم تقوده رؤية موحدة؟ أم ستكون انفجارات متفرقة يستهلكها الاحتلال، ويصبح الخطر ليس غياب القدرة على المقاومة؛ فهذه القدرة أثبت الفلسطينيون وجودها مرارًا. فالخطر الحقيقي هو غياب الرؤية والوحدة والقيادة القادرة على تحويل هذه القدرة إلى قوة سياسية.
ولهذا فإن المهمة الوطنية الكبرى اليوم ليست الحفاظ على واقع استنفد مبرراته، بل إعادة بناء حركة وطنية قادرة على استعادة معنى القيادة أي أن تكون السلطة أداة في خدمة الشعب وليس العكس، وأن أولويتها الرئيسية تتمثل في توفير مقومات البقاء والصمود والقدرة على المواجهة.