facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




لماذا لم يدق الفلسطينيون جدران الخزان؟


سمير حمدان - بودابست
27-07-2026 11:20 PM

عندما تتحول المرحلة الانتقالية إلى وطن، ويغدو الوطن مجرد ذكرى

لم يكن سؤال غسان كنفاني في نهاية رجال في الشمس سؤالًا عن ثلاثة رجال ماتوا اختناقًا داخل خزان شاحنة، بل كان سؤالًا عن مشروع يفقد قدرته على الحركة عندما يعتاد البقاء في مرحلة لم تُخلق للإقامة، وحين صرخ أبو الخيزران، «لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟»، لم يكن يوبخ الضحايا، بل كان يترك سؤالًا سياسيًا للأحياء، ماذا يحدث عندما يصبح الصمت جزءًا من النظام، والانتظار أسلوبًا للحياة، والمرحلة المؤقتة واقعًا دائمًا، وبعد أكثر من ستة عقود، لم تعد تلك الصورة مجرد استعارة أدبية، بل أصبحت وصفًا لمسار سياسي امتد حتى كاد يجعل المرحلة الانتقالية وطنًا، والوسيلة غاية، وبينما يبقى الاحتلال الإسرائيلي المسؤول الأول عن سلب الأرض، وتقويض فرص الدولة، وحرمان الفلسطينيين من حقهم في تقرير المصير، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا طال الاحتلال، بل لماذا طال البقاء في مرحلة كان يفترض أن تكون جسرًا نحو الحرية .

كان الخزان في رواية كنفاني وسيلة لعبور الحدود، ولم يكن مقصدًا نهائيًا، وكذلك كان يفترض أن تكون المرحلة التي بدأت مع اتفاقات أوسلو عام 1993 طريقًا مؤقتًا ينتهي بقيام الدولة الفلسطينية، لكن السنوات مضت، وتوسعت المستوطنات، وتراجعت فرص التسوية، وتحولت المرحلة الانتقالية إلى واقع دائم، ومنذ الانتخابات التشريعية عام 2006 لم تُجر انتخابات عامة، وتأجلت انتخابات عام 2021، واستمر الانقسام السياسي منذ عام 2007، بينما أظهرت استطلاعات المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية تراجعًا مستمرًا في ثقة المواطنين بالمؤسسات، ومع مرور الوقت أصبحت إدارة الأزمة تحل محل السعي إلى إنهائها، وأصبح الحفاظ على الواقع القائم إنجازًا بحد ذاته، حتى بدا أن المرحلة التي وُلدت لتقود إلى الدولة قد تحولت إلى بديل عنها .

وفي الرواية لم يكن الاختناق نتيجة حرارة الصحراء وحدها، بل نتيجة طول البقاء داخل الخزان، وفي السياسة أيضًا لا تبدأ الأزمات عندما يشتد ضغط الاحتلال فقط، بل عندما تتوقف المؤسسات عن مراجعة نفسها وتجديد شرعيتها، وقد أوضح يزيد صايغ كيف غيّر الانتقال من حركة تحرر إلى سلطة محدودة الصلاحيات طبيعة المشروع الوطني الفلسطيني، بينما يرى ناثان براون أن أزمة النظام السياسي لا ترتبط بغياب الانتخابات وحده، بل بتراجع قدرة المؤسسات على تجديد تمثيلها للمجتمع، وعندما تصبح المحافظة على المرحلة الانتقالية أهم من إنهائها، يتحول المؤقت إلى دائم، ويصبح الزمن حليفًا للواقع المفروض أكثر مما يكون حليفًا لمشروع التحرر .

ثم جاءت حرب غزة منذ أكتوبر 2023 لتكشف عمق هذا المأزق، فالحروب الكبرى لا تختبر قدرة الشعوب على الصمود فقط، بل تختبر أيضًا قدرة مشاريعها الوطنية على تحويل التضحيات إلى رؤية سياسية، والتعاطف الدولي إلى إنجازات عملية، كما كشفت أن غياب القيادة الموحدة لم يعد أزمة داخلية فحسب، بل أصبح عاملًا يحد من قدرة الفلسطينيين على استثمار التحولات الدولية وبناء موقف وطني أكثر تأثيرًا، وإذا كان الاحتلال يواصل فرض الحرب، والحصار، والاستيطان، وتقويض حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، فإن استمرار الانقسام وتأجيل تجديد الشرعية يجعل الفجوة بين الواقع الميداني والقرار السياسي أكثر اتساعًا .

إن مراجعة هذه التجربة لا تعني نقل المسؤولية من الاحتلال إلى الضحية، بل تمثل شرطًا للحفاظ على مشروع التحرر الوطني، لأن الاحتلال يستفيد من كل أزمة شرعية بقدر ما يستفيد من تفوقه العسكري، فالشرعية لا تُقاس بطول البقاء في السلطة، والمؤسسات لا تستمد مشروعيتها من تاريخها وحده، بل من قدرتها على مساءلة نفسها، وتجديد قيادتها، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار الجامع للشعب الفلسطيني، وإجراء انتخابات تعيد إنتاج الشرعية، ولا يبدأ ذلك بإصلاح السلطة وحدها، بل بإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمشروع الوطني، بحيث تعود المؤسسات أداة لخدمة القضية، لا أن تصبح القضية أداة لبقاء المؤسسات .

لقد كتب كنفاني سؤاله قبل أكثر من ستين عامًا، لكنه لم يكتب عن ثلاثة رجال ماتوا في الصحراء وحدها، بل عن كل مشروع يطول بقاؤه في مرحلته الانتقالية حتى ينسى أن الطريق ليس وطنًا، وأن الوسيلة ليست غاية، وربما لن يسأل التاريخ الفلسطينيين لماذا لم يدقوا جدران الخزان، بل سيسأل كيف تحولت الرحلة إلى إقامة، والمرحلة إلى نظام، والطريق إلى بديل عن الدولة، فالاحتلال يستطيع أن يؤخر قيام الدولة، لكنه لا يستطيع أن يمنع الفلسطينيين من إعادة بناء مشروعهم الوطني، لأن أخطر ما يفعله ليس احتلال الأرض وحدها، بل ترك الزمن يعمل لمصلحته عندما يعجز أصحاب القضية عن تجديد مشروعهم، ويعتادون البقاء في مرحلة كان يفترض أن تكون معبرًا إلى الوطن، لا بديلًا عنه .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :