facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يسرق الفاسدون وعي الشعوب قبل أموالها


أ. د. هاني الضمور
28-07-2026 01:00 AM

ليست أخطر جرائم الفساد تلك التي تُرتكب في الخفاء داخل المكاتب أو خلف الأبواب المغلقة، وليست فقط في المال العام الذي يُهدر، أو الفرص التي تُسرق، أو الحقوق التي تُوزع بحسب النفوذ. الأخطر من ذلك كله هو أن ينجح الفاسدون في سرقة وعي الناس، وتحويل غضبهم بعيدًا عنهم، ودفعهم إلى مواجهة بعضهم بعضًا.

في واقع اليوم، تبدو المجتمعات أكثر انقسامًا من أي وقت مضى. خلافات سياسية، واستقطابات دينية وعرقية، وصراعات اجتماعية تتسع بسرعة، بينما تتراجع الأسئلة الأساسية التي تمس حياة المواطنين: أين تذهب الأموال؟ لماذا تتراجع الخدمات؟ من المسؤول عن البطالة والفقر وضعف التعليم والصحة؟ ولماذا يفلت الفاسدون من المحاسبة؟

هنا يظهر وجه آخر للفساد؛ وجه لا يعتمد فقط على المال والنفوذ، بل على التضليل وصناعة الخصومات. فعندما يتحول المواطن إلى خصم لمواطن آخر، يصبح من السهل أن ينسى الطرفان من أضاع حقوقهما. وعندما تنشغل الشعوب بمعارك الهوية والانتماء، يتراجع الحديث عن العدالة، والشفافية، وسيادة القانون.

ليس كل صاحب مال فاسدًا، وليس كل مسؤول مستغلًا للسلطة، لكن الخطر يكمن في أولئك الذين يجمعون بين الفساد والنفوذ، ثم يستخدمون مواقعهم لحماية مصالحهم. هؤلاء يدركون أن المجتمع المتماسك أكثر قدرة على محاسبتهم، ولذلك يكون الانقسام بالنسبة إليهم وسيلة دفاع، لا مجرد نتيجة عابرة.

وقد منحت وسائل التواصل الاجتماعي هذه الظاهرة قوة مضاعفة. فشائعة واحدة، أو مقطع مجتزأ، أو خطاب تحريضي، قد يكون كافيًا لإشعال موجة غضب واسعة. وخلال ساعات، ينتقل اهتمام الناس من قضاياهم الحقيقية إلى سجال لا ينتهي، بينما تبقى ملفات الفساد بعيدة عن الضوء.

إن الفساد لا يعيش فقط في غياب القانون، بل يزدهر أيضًا في غياب الوعي. فحين يفقد الناس قدرتهم على التمييز بين خصومهم الحقيقيين ومعاركهم المصطنعة، يصبح من السهل توجيههم وإضعافهم. أما المجتمع الذي يسأل، ويدقق، ويرفض التحريض، فهو مجتمع يصعب إخضاعه.

إن الاختلاف بين الناس ليس مشكلة في ذاته، بل هو جزء طبيعي من أي مجتمع. المشكلة تبدأ عندما يُستخدم هذا الاختلاف لإنتاج الكراهية، وتحويل التنوع إلى صراع، وصرف الأنظار عن المسؤولية الحقيقية. عندها لا يعود الانقسام مجرد خلاف اجتماعي، بل يصبح غطاءً يحمي الفساد.

لهذا فإن مواجهة الفساد لا تبدأ فقط من المحاكم والمؤسسات الرقابية، بل تبدأ أيضًا من وعي المواطن. تبدأ من رفض الشائعة، ومن السؤال عن الدليل، ومن عدم الانجرار وراء خطاب الكراهية، ومن الإصرار على أن تكون الأولوية للعدالة والخدمات والحقوق.

إن الأوطان لا تنهار لأن أبناءها مختلفون، بل لأنها تفقد قدرتها على رؤية من يستغل هذا الاختلاف. ولا ينتصر الفاسد لأنه أذكى من الجميع، بل لأنه ينجح في جعل الجميع منشغلين بغيره.

ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يرافق كل أزمة وكل موجة تحريض هو: من المستفيد؟

حين يُطرح هذا السؤال بوعي، تبدأ الحقيقة في الظهور. وحين تدرك الشعوب أن معركتها الحقيقية ليست مع بعضها بعضًا، بل مع كل من يسرق حقوقها ويستغلها ويغذي الانقسام بينها، يصبح الإصلاح ممكنًا، وتبدأ استعادة الوطن من قبضة الفساد.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :