الأردن… وطنٌ لا محطةٌ للغنائم
المهندس احمد الغزو
02-08-2026 09:24 AM
“الوطن الذي يفتح لك أبوابه صغيرًا، ويرفعك كبيرًا، لا يجوز أن يكون آخر ما تفكر فيه وأنت في موقع القرار.”
كل يوم نقرأ مقالًا، أو نستمع إلى مسؤولٍ سابق، أو وزيرٍ متقاعد، أو سياسيٍ شغل أعلى المناصب، يتحدث عن أخطاء الحكومات، وعن سوء الإدارة، وعن الفرص التي ضاعت.
قد يكون كثيرٌ مما يقولونه صحيحًا…
لكن الحقيقة التي لا يجوز أن تغيب، أنهم لم يكونوا يومًا خارج المشهد، بل كانوا جزءًا من صناعته.
إذا كنتم تعرفون الحقيقة… فلماذا صمتّم؟
إن أخطر ما يواجه الدول ليس الخطأ، فالخطأ يقع في كل مكان، وإنما أن يعرف أصحاب القرار الحقيقة، ثم يؤجلوا قولها حتى يغادروا مواقعهم.
فالوطن لا يحتاج إلى ذاكرةٍ متأخرة…
بل يحتاج إلى ضميرٍ حاضر.
لقد أعطى الأردن أبناءه الكثير.
أعطاهم التعليم، والمكانة، والثقة، وحمل كثيرين إلى أعلى المناصب.
لكنه لم يطلب منهم سوى أن يكونوا أوفياء للأمانة.
ليس كل من جلس على الكرسي أصبح رجل دولة… فالمناصب تُمنح، أما الوطنية فتُثبتها المواقف.
رجل الدولة لا يُعرف بحجم موكبه…
ولا بعدد الصور التي التقطها…
ولا بعدد السنوات التي قضاها في السلطة…
بل يُعرف بما تركه خلفه من مؤسسات قوية، وعدالة، واحترام للقانون، وثقة في نفوس الناس.
أما من يغادر المنصب، ثم يبدأ في رواية ما كان يعرفه طوال سنوات، فإنه لا يبرئ نفسه من السؤال، بل يضيف سؤالًا جديدًا.
المشكلة ليست في الأردن… المشكلة في ثقافةٍ تعاملت مع المنصب على أنه مكسب، لا أمانة.
الأردن لم يكن فقيرًا بالعقول.
ولم يكن فقيرًا بالرجال.
ولم يكن فقيرًا بالفرص.
لقد كان، وما زال، غنيًا بإنسانه.
لكن الدول لا تتقدم بالكفاءات وحدها، بل بالعدالة التي تفتح لها الطريق، وبالضمير الذي يحمي قرارها.
حين يصبح الولاء للأشخاص أقوى من الولاء للمؤسسات…
وحين يصبح الصمت ثمنًا للبقاء…
وحين يصبح المنصب هدفًا بدل أن يكون وسيلة…
هناك تبدأ خسارة الدولة.
الوطن ليس فندقًا نغادره عندما تنتهي الإقامة… وليس شركةً نأخذ منها أرباحنا ثم نغلق الباب خلفنا.
الوطن علاقة وفاء.
ومن أحب وطنه وهو خارج المنصب، يجب أن يحبه أكثر وهو داخله.
ومن عجز عن قول كلمة الحق وهو مسؤول، فلن يمنحه التاريخ شرف أنه قالها بعد أن أصبح خارج المسؤولية.
آن الأوان أن نفتح الباب أمام جيلٍ جديد…
جيلٍ لا يسأل: ماذا سأكسب من المنصب؟
بل يسأل: ماذا سيكسب الوطن مني؟
جيلٍ يؤمن أن الكرسي وسيلة لخدمة الناس، لا سلّمًا للمجد الشخصي.
جيلٍ يورث أبناءه سمعةً طيبة، لا مناصب زائلة.
وأخيرًا…
الأردن لم يطلب من أحد أن يكون بطلًا…
طلب فقط أن يكون أمينًا.
ولم يطلب من مسؤول أن يصنع المعجزات…
طلب منه ألا يخون الثقة.
سيبقى الأردن أكبر من الجميع…
وأبقى من الجميع…
وأكرم من الجميع…
أما المناصب، فستبقى عابرة، لا يبقى منها إلا ما تركه أصحابها من أثر.
ليس السؤال الذي سيكتبه التاريخ: من كان وزيرًا؟ ومن كان رئيسًا؟
بل السؤال الذي لن يغيب:
من خدم الأردن بإخلاص… ومن اكتفى بأن يخدم نفسه?