facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




كيف نفرّق بين كلام لا يستحق النقاش وقرار لا يحتمل التجاهل؟


د. صائب الخصاونة
03-08-2026 12:38 AM

في كثير مما يجري حولنا اليوم، من مستوى المجالس الصغيرة إلى قاعات التشريع، يتكرر مشهد واحد بأشكال متعددة: أشخاص يتكلمون، ويقترحون، ويصوّتون، وهم في حقيقة الأمر لا يملكون من الأهلية أو الجدّية أو حسن النية ما يجعل كلامهم موضع نقاش من الأساس. المفارقة أن جزءًا كبيرًا من طاقتنا يُستهلك في محاولة أخذ هؤلاء على محمل الجد، وكأن كل صوت يرتفع يستحق أن يُرد عليه، وكل اقتراح يُطرح يستحق أن يُناقَش.

وهنا تحضر حكاية شعبية صغيرة، لكنها كثيفة الدلالة: حكاية «طُزّ يا حمد». تقول الرواية إن حمد كان تاجر ملح في زمن الدولة العثمانية، ينقل بضاعته على حماره ويمر بنقاط التفتيش. وكانت كلمة «طُزّ» في التركية تعني الملح، فكان حمد يجيب بها الجنود حين يسألونه عمّا يحمل؛ والملح، بحكم الرواية، كان من السلع المعفاة من الضريبة، فلا حاجة لتفتيشه.

ومع تكرار المرور، صار الجنود يعرفون حمد وحمولته سلفًا، فإذا رأوه من بعيد قالوا باستخفاف: «طُزّ يا حمد»، أي: نعرف من أنت وماذا تحمل، فلا داعي لأن نكلّف أنفسنا عناء النظر فيك. وفي رواية أخرى أكثر تفصيلًا، كان حمد يخبّئ سلاحًا داخل أكياس الملح، حتى انكشف أمره في إحدى المرات حين قرر الجنود، رغم معرفتهم به، أن يفتحوا الأكياس.
والمسار الذي قطعته كلمة «طُزّ» هو ما يجعل المثل غنيًا بالمعنى. فقد بدأت الكلمة توصيفًا محايدًا لبضاعة معفاة من الرقابة، ثم تحوّلت في الاستعمال العامي إلى تعبير عن عدم الاكتراث والاستخفاف بالشيء أو بالشخص. وهذا بالضبط ما يحدث حين نقرر أن أمرًا ما، أو قائلًا ما، لا يستحق عناء النظر: نمنحه إعفاءً ضمنيًا من المساءلة، تمامًا كما كان الملح معفى من الضريبة.

والمشكلة ليست في مبدأ التجاهل بحد ذاته؛ فالتجاهل أحيانًا حكمة، والانشغال بالرد على كل قول تافه استنزاف لا طائل منه. لكن الخطورة تبدأ حين يتحول هذا «الإعفاء» إلى عادة ذهنية جماعية، فنمنحه لما لا يستحق الإعفاء أصلًا: لقرار يمسّ ملكية الناس، أو لتشريع يعيد رسم حدود ما هو عام وما هو خاص.

خذ مثالًا واحدًا من أمثلة كثيرة تتكرر على المستويات كلها: التصويت على قانون استملاك الأراضي الخاص بسكك الحديد. هذا نوع من القرارات لا يحتمل منطق «طُزّ»، لأنه يمس ملكية خاصة، ويعيد توزيع الحقوق بين الأفراد والدولة، ويترك أثرًا يمتد لعقود. ومع ذلك، كثيرًا ما يمرّ نقاش من هذا الحجم في غفلة من المتابعة الجادة، بينما تُستهلك الطاقة النقدية في الرد على تصريحات عابرة لا تستحق حتى تسجيلها.

والمفارقة أن من يفترض أن يخضع كلامهم واقتراحاتهم لأشد أنواع التدقيق، هم غالبًا من يفلتون من هذا التدقيق، بينما يُستنزف النقاش العام في قضايا هامشية. وكأن الأدوار قد انقلبت: صار «الملح» الحقيقي الذي يستحق التفتيش يمر دون سؤال، بينما تُفتَّش أكياس فارغة لا تحمل شيئًا.

والدرس المستفاد من الحكاية إذن ليس دعوة إلى تعميم الاستخفاف، بل دعوة إلى تمييز دقيق بين نوعين من «الطُّزّ»: الأول استخفاف واعٍ ومبرر بكلام لا يستحق فعلًا أن يُناقش، لأن قائله لا يملك سلطة التأثير الفعلي، أو لأن القول نفسه لا يعدو كونه ضجيجًا عابرًا. والثاني استخفاف كسول ومريح، نمنحه لمن يملك فعلًا سلطة اتخاذ القرار، لمجرد أننا تعبنا من المتابعة، أو لأننا اعتدنا رؤيته «يمر» دون رقابة، تمامًا كما اعتاد الجنود مرور حمد.

النوع الأول حكمة تحفظ الطاقة. والنوع الثاني تفريط يكلّف مجتمعات بأكملها، لأنه يمنح غطاءً غير معلن لمن يتخذ قرارات مصيرية دون أن يُسأل عنها.

وتنتهي حكاية «طُزّ يا حمد» بانكشاف الأمر، حين قرر الجنود، ذات مرة، ألا يكتفوا بالمعرفة السابقة وأن يفتحوا الأكياس فعلًا. وهذه بالضبط هي المسؤولية الملقاة على من يراقب الشأن العام اليوم: ألا يقنع بأن هذا الفاعل أو ذاك «معروف» ولا داعي لمساءلته، بل أن يعيد فتح الملف كلما تعلّق الأمر بما يمسّ الناس فعلًا؛ أرضهم، أو مالهم، أو حقوقهم. أما الكلام العابر الذي لا يستحق حتى الرد، فحسبه أن يُقال في حقه ما كان يُقال لحمد: طُزّ.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :