facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




فوضى التشريع وغضب الشارع .. هل أصبحت السرعة بديلاً عن جودة القانون؟


د. هاشم احمد بلص
05-08-2026 12:07 PM

لم يعد الجدل في الأردن يدور حول مضمون بعض التشريعات فحسب، بل امتد ليشمل فلسفة العملية التشريعية ذاتها. فقد شهدت الدورة الاستثنائية الأخيرة لمجلس الأمة زخماً تشريعياً غير مسبوق، تمثل في إحالة ومناقشة وإقرار عدد من مشاريع القوانين خلال فترة زمنية قصيرة، الأمر الذي أثار نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والقانونية والشعبية حول مدى قدرة السلطة التشريعية على تحقيق التوازن بين سرعة الإنجاز وجودة التشريع.

ولا خلاف على أن تحديث المنظومة القانونية ضرورة تفرضها المتغيرات الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية، كما أن الدولة لا تستطيع إدارة حاضرها ومستقبلها بقوانين تجاوزها الزمن. غير أن الإشكالية لا تكمن في مبدأ الإصلاح التشريعي، وإنما في منهجه وآلياته، وفي مدى مشاركة المجتمع في صناعة القوانين التي تمس حياته اليومية.

لقد دافع مجلس النواب عن أدائه خلال الدورة الاستثنائية، مؤكداً أن الحكومة مارست حقها الدستوري في تقديم مشاريع القوانين، وأن المجلس قام بدوره في مناقشتها وإدخال التعديلات اللازمة عليها قبل إقرارها، وأن المرحلة الحالية تتطلب تحديثاً تشريعياً يتوافق مع رؤية التحديث السياسي والإداري والاقتصادي، ويهيئ بيئة أكثر جاذبية للاستثمار، ويعزز كفاءة الإدارة العامة.

ويستند النواب في مواقفهم إلى حجج قانونية ودستورية واضحة، أبرزها أن التأخير في إصدار التشريعات يعطل برامج الإصلاح الوطني، وأن المجلس لا يملك ترف تأجيل القوانين التي ترتبط بمصالح الدولة العليا أو بخططها الاقتصادية. كما يؤكدون أن جميع مشاريع القوانين مرت بالمراحل الدستورية، وأحيلت إلى اللجان المختصة، وخضعت للنقاش والتعديل، بما ينسجم مع أحكام الدستور والنظام الداخلي لمجلس النواب.

إلا أن هذه المبررات لم تكن كافية لاحتواء حالة القلق التي ظهرت في الشارع الأردني. فقد رأى كثير من المواطنين أن كثرة مشاريع القوانين خلال الدورة الاستثنائية خلقت انطباعاً بأن التشريع أصبح عملية متسارعة تفوق قدرة المجتمع على متابعتها أو مناقشتها، وأن الحوار المجتمعي سبقته النصوص بدلاً من أن يسبقها.

وقد تجسد هذا الجدل بوضوح في عدد من مشاريع القوانين التي حظيت باهتمام واسع. فبالنسبة إلى مشروع قانون الأبنية والأراضي، رأت الحكومة أنه يهدف إلى تحديث أسس التخمين والجباية وتحقيق العدالة الضريبية بين المكلفين، في حين تخوف مواطنون وفعاليات اقتصادية من أن يؤدي تطبيق بعض أحكامه إلى زيادة الأعباء المالية وارتفاع الرسوم بصورة غير مباشرة، مطالبين بضمانات تشريعية تكفل حماية ذوي الدخل المحدود.

كما أثار مشروع قانون التعاون نقاشاً بين المؤيدين والمعترضين؛ فالحكومة اعتبرته خطوة نحو تطوير القطاع التعاوني وتعزيز الحوكمة والشفافية، بينما رأت بعض الجمعيات التعاونية أن المشروع يحتاج إلى مزيد من الحوار مع أصحاب المصلحة، بما يضمن استقلالية العمل التعاوني ويعزز دوره التنموي.

أما مشروع قانون الجمارك، فقد قدمته الحكومة باعتباره جزءاً من مشروع تحديث الإدارة الجمركية، وتسريع إجراءات التخليص، ومكافحة التهريب، وتحسين بيئة الاستثمار. وفي المقابل، طالب عدد من التجار والمهتمين بالشأن الاقتصادي بإعادة النظر في بعض الصلاحيات والإجراءات، بما يحقق توازناً أفضل بين متطلبات الرقابة وحماية حقوق المكلفين.

ورغم اختلاف موضوعات هذه القوانين، فإن القاسم المشترك بينها كان اتساع دائرة الجدل المجتمعي، ليس رفضاً لفكرة الإصلاح، وإنما بسبب الشعور بأن الوقت المخصص للنقاش العام لم يكن متناسباً مع أهمية هذه التشريعات وآثارها الاقتصادية والاجتماعية.

ومن منظور قانوني، فإن نجاح التشريع لا يقاس بسرعة إصداره، بل بجودته واستقراره وقابليته للتطبيق وقبوله مجتمعياً. فالتشريع الذي يحتاج إلى تعديلات متكررة بعد أشهر قليلة من صدوره يكشف غالباً عن قصور في مرحلة الإعداد أو في دراسة آثاره أو في حجم المشاركة المجتمعية التي سبقته.

كما أن التوسع في تعديل القوانين أو إصدارها بوتيرة متسارعة يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار التشريعي، وهو ما ينعكس سلباً على الأمن القانوني، ويضعف ثقة المستثمر، ويربك الإدارة العامة، ويزيد من صعوبة عمل القضاء والمحامين، فضلاً عن إرباك المواطنين في معرفة حقوقهم والتزاماتهم.

ولا يعني ذلك التقليل من الجهد الذي يبذله مجلس النواب أو الحكومة، وإنما يفرض مراجعة منهجية لصناعة التشريع في الأردن. فالدول التي نجحت في بناء منظومات قانونية مستقرة لم تعتمد على كثرة القوانين، وإنما على جودة إعدادها، ودقة صياغتها، وشفافية مناقشتها، وإشراك أصحاب العلاقة في مراحلها الأولى.

إن الحاجة اليوم لم تعد تقتصر على تطوير النصوص القانونية، بل تمتد إلى تطوير السياسة التشريعية ذاتها، من خلال اعتماد خطط تشريعية معلنة، وإلزام الجهات المختصة بإجراء دراسات تقييم الأثر التشريعي قبل إحالة مشاريع القوانين، وتوسيع دائرة الحوار مع النقابات المهنية، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، ونشر الأسباب الموجبة والدراسات الفنية للرأي العام قبل بدء المناقشات البرلمانية.

كما أن مجلس النواب، بوصفه ممثل الإرادة الشعبية، مطالب بأن يمنح التشريعات ذات الأثر المباشر على المواطنين مساحة أوسع من النقاش، وأن يعزز أدوات التواصل مع المجتمع، حتى يشعر المواطن بأن القانون الذي سيخضع له قد مر بحوار حقيقي، لا بمجرد إجراءات دستورية.

إن الديمقراطية التشريعية لا تُقاس بعدد القوانين التي تصدر، وإنما بمقدار الثقة التي تمنحها للمواطن. فالقانون ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لتحقيق العدالة والاستقرار والتنمية، وإذا افتقد ثقة المجتمع، فإن فعاليته ستبقى محل اختبار مهما بلغت جودة صياغته.

وفي النهاية، فإن الأردن اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع في المجال التشريعي. فالتحديث الحقيقي لا يتحقق بكثرة القوانين، وإنما بإنتاج تشريعات مستقرة، واضحة، قابلة للتطبيق، وتحظى بقبول المجتمع. فالقانون الذي يولد من رحم الحوار يعيش طويلاً، أما القانون الذي يولد تحت ضغط الوقت، فإنه يبقى عرضة للجدل والتعديل، وهو ما لا يخدم لا الدولة ولا المواطن.

إن نجاح الدورة الاستثنائية لا ينبغي أن يقاس بعدد التشريعات التي أُقرت، وإنما بمدى قدرتها على ترسيخ الثقة بين المواطن والسلطة التشريعية، لأن الثقة هي الركيزة الأساسية لدولة القانون والمؤسسات، وهي الضمانة الحقيقية لنجاح أي إصلاح تشريعي.

* أستاذ القانون العام





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :