facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هل يُصبح لديوان المحاسبة من اسمه نصيب؟! ..


محمود الدباس - أبو الليث
09-08-2026 02:23 PM

لا نشكك في عمل ديوان المحاسبة.. ولا في دوره الوطني.. ولا في حجم الجهد الذي يبذله رجاله في التدقيق.. والمتابعة.. وكشف مواطن الخلل.. فهذه مؤسسة وطنية.. لا يجوز أن يكون الحديث عنها.. إلا من باب الحرص على أن تبقى قوية.. فاعلة.. ومهابة كما ينبغي لكل جهاز أوكل إليه القانون حماية المال العام..

لكن المواطن.. لا يقيس قوة الرقابة بما يُكتب في التقارير فقط.. وإنما بما يراه بعد صدور التقرير.. وبما يحدث لمن تثبت مسؤوليته عن الخطأ.. أو المخالفة..

في السابق.. كان مجرد سماع اسم لجنة من ديوان المحاسبة.. كافياً لكي يعيد كثيرون مراجعة أوراقهم.. وحساباتهم.. ومستنداتهم.. سواء كانت اللجنة مرتبطة بعطاء.. أو تدقيق.. أو مراجعة مالية.. وكان الجميع يعلم.. أن الخطأ قد لا يبقى مجرد ورقة في ملف.. وأن المخالفة قد يكون لها ما بعدها..

ولست أعتقد أن الفاسد كان أكثر نزاهة في ذلك الزمن.. لكنه كان أكثر حذراً.. لأن هيبة الرقابة.. كانت حاضرة في ذهنه.. قبل أن يرتكب المخالفة.. وهذه هي القيمة الحقيقية لأي جهاز رقابي.. أن يمنع الخطأ قبل وقوعه.. لا أن يكتشفه بعد وقوعه فقط..

أما اليوم.. فإن الحديث عن المخالفات المالية والإدارية.. لا يكاد يغيب عن مجالس الناس.. أو وسائل الإعلام.. أو النقاش العام.. وتتكرر الحكايات والشواهد والأسئلة حول المال العام والإدارة العامة.. وفي المقابل.. يسمع المواطن عن تقارير وملاحظات وتصويبات.. فيتساءل ببساطة.. ماذا حدث بعد ذلك؟!..

والأرقام الرسمية نفسها تستحق أن نتوقف عندها دون تهويل.. أو تجميل.. فقد أعلن ديوان المحاسبة أن نسبة الاستجابة الكلية لمخرجاته الرقابية في عام 2024 بلغت 59%.. وهي نسبة تعني ببساطة.. أن هناك مساحة واسعة.. ما زالت تحتاج إلى تصويب ومتابعة واستجابة.. ولا ينبغي أن تمر هذه النسبة كرقم عابر في تقرير سنوي.. بل كإشارة تستحق أن نسأل عندها.. لماذا لا تكون الاستجابة كاملة.. ما دام الأمر يتعلق بالمال العام؟!..

هنا تحديداً.. لا أريد أن أحمّل ديوان المحاسبة وحده مسؤولية ما يحدث.. فالديوان يراقب.. ويُدقق.. ويُسجل الملاحظات.. ويرفع تقاريره وفق القانون.. لكن السؤال الذي يهم المواطن هو.. ماذا يحدث عندما تنتهي الرقابة إلى وجود مخالفة؟!..

هل يكفي أن تُرسل الملاحظة إلى الجهة التي وقعت فيها المخالفة لتقوم بالتصويب؟!.. وماذا لو كان التصويب يعالج الأثر.. ولا يعالج المسؤولية؟!.. وماذا لو أصبح الخطأ قابلاً للإصلاح بعد اكتشافه.. بينما لا تكون هناك كلفة حقيقية على من تسبب به؟!..

عندها قد تتحول الرقابة.. من أداة ردع قبل وقوع الخطأ.. إلى عملية تصحيح بعد وقوعه.. والفرق بين الاثنين كبير جداً..

ولذلك.. ربما آن الأوان.. لأن نفتح نقاشاً وطنياً هادئاً.. حول تحصين استقلال ديوان المحاسبة بصورة أكبر.. لا انتقاصاً من دور الحكومة.. ولا تشكيكاً في أحد.. وإنما حتى يشعر المواطن.. أن الجهة التي تراقب السلطة التنفيذية.. لا يمكن أن تتأثر بها.. لا في تعيين رئيسها.. ولا في بقائه.. ولا في قراراتها الرقابية..

فإذا كان رئيس الديوان يُعيّن بإرادة ملكية.. بناءً على تنسيب مجلس الوزراء.. وإذا كان للقانون ترتيب خاص في مسألة إنهاء خدمته.. أو نقله.. أو إحالته إلى التقاعد.. فإن السؤال المشروع ليس اتهاماً لأحد.. وإنما هو سؤال مؤسسي بحت.. هل يمكن أن تكون الرقابة أكثر استقلالاً.. إذا أُبعدت عنها أي إمكانية لتأثير السلطة التنفيذية المباشرة.. أو غير المباشر؟!..

ولماذا لا نذهب خطوة أبعد في التفكير؟!..

لماذا لا يكون هناك مسار قضائي متخصص.. للنظر في القضايا التي تنشأ عن أعمال الرقابة المالية.. على غرار ما هو قائم في قضايا الجمارك.. بحيث تكون هناك جهة قضائية متخصصة.. تمتلك المعرفة الفنية والقانونية الدقيقة بهذا النوع من الملفات؟!.. ليس المقصود أن يتحول ديوان المحاسبة إلى محكمة.. وإنما أن تكون هناك حلقة قضائية متخصصة.. تضمن ألا تنتهي الملاحظة الرقابية عند حدود الحبر على الورق..

نحن لا نريد من ديوان المحاسبة المزيد من الأوراق.. ولا نريد تقارير أكثر امتلاءً بالمخالفات.. فالمواطن لا يريد أن يسمع جعجعة الرقابة.. وإنما يريد أن يرى طحينها..

نريد أن نرى المخالفة تُكتشف.. والمسؤولية تُحدد.. والمال العام يُحمى.. والخطأ لا يتكرر.. والفاسد يفكر مرات.. قبل أن يمد يده إلى المال العام.. ليس خوفاً من التقرير.. وإنما خوفاً مما قد يترتب على التقرير..

فديوان المحاسبة من اسمه المحاسبة.. والمحاسبة ليست أن نكتشف الخطأ.. ثم نكتبه في تقرير.. ثم ننتظر أن يقوم من وقع فيه بتصحيحه.. المحاسبة أن يعرف كل من يتعامل مع المال العام.. أن وراء كل دينار عيناً تراقب.. ووراء كل مخالفة مسؤولية.. ووراء كل مسؤولية حساباً لا يسقط بالتقادم الإداري..

نحن لا نريد ديوان محاسبة يملأ التقارير بالملاحظات.. نريد ديواناً يجعل الملاحظة قبل وقوعها.. هاجساً في ذهن من يفكر في المخالفة.. نريد رقابة تمنع قبل أن تضبط.. وتحاسب قبل أن تتكرر الأخطاء.. وتعيد للمال العام حرمته.. وللرقابة هيبتها..

وعندها فقط.. يصبح لديوان المحاسبة من اسمه نصيب.. وتصبح هيبة الرقابة جزءاً من هيبة الدولة.. ويصبح من يفكر في العبث بالمال العام أكثر خوفاً من المحاسبة.. من ثقته بقدرته على الإفلات منها..

فهل نريد رقابة تُخبرنا بما حدث؟!.. أم رقابة تجعل الجميع يفكر ألف مرة قبل أن يحدث؟!..





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :