من باريس إلى بلغراد: الجيل الذي أعاد كتابة قواعد اللعبة السياسية
أ.د. عبدالله سرور الزعبي
30-10-2026 04:46 PM
في الخامس والعشرين من تشرين الأول 2026، أقرّ رجل حكم صربيا سنوات طويلة بهزيمته أمام قائمة انتخابية صنعها طلاب كانوا قبل عامين فقط يجلسون في قاعات المحاضرات. لم يهزمه حزب معارض عريق ولا زعيم كاريزمي، بل أسئلة بسيطة طرحها جيل لم يعد يقبل الصمت جواباً: من المسؤول؟ وأين ذهبت الأموال؟ ولماذا لا يُحاسَب أحد؟
هذا المشهد ليس حادثة معزولة، بل إشارة إلى تحول أعمق. فلم تعد السياسة تُصنع حصراً في مقار الأحزاب وغرف القرار المغلقة، بل تنتقل إلى فضاء أوسع وأقل قابلية للضبط، يقوده جيل وُلد تقريباً بين عامي 1997 و2012، ونشأ مع الإنترنت والهواتف الذكية، ثم وجد نفسه أمام عالم مثقل بالبطالة وغلاء المعيشة وفجوة تتسع بين وعود المؤسسات وواقع الناس.
وأهمية هذا الجيل لا تكمن في كثافة استخدامه للتكنولوجيا، بل في أنه أول جيل تشكل وعيه السياسي داخل فضاء رقمي لا يعترف بالحدود ولا باحتكار المعلومة. فهو لا ينتظر صحيفة لتخبره بما يجري، ولا حزباً ليفسر له الأحداث، ولا شيخاً أو معلماً ليمنحه حق الكلام؛ إنه يوثّق وينشر ويحشد، فيحوّل قضية محلية إلى حدث عابر للحدود في ساعات.
وهو بلا أيديولوجيا واحدة، لكنه يتقاسم شعوراً عميقاً بالخذلان: قيل له إن التعليم طريق النجاح فوجد شهادات بلا وظائف، وإن الاجتهاد يكفي فاصطدم بغلاء المعيشة، وإن المؤسسات وُجدت لخدمة الناس فرأى فجوة بين الخطاب والممارسة. لذلك فاحتجاجه اعتراض على منظومة لم تعد تصغي إليه.
وتقدم فرنسا الصورة الأولى، وهي مهد الثورة التي أعادت عام 1789 تعريف المواطنة والسيادة الشعبية. فمنذ أواخر أيلول 2026 اتسعت احتجاجات طلاب المدارس والجامعات لتشمل مئات المؤسسات والمدن، وبلغت ذروتها في مطلع تشرين الأول. وفي السادس منه تحدثت السلطات عن نحو 266 ألف متظاهر، بينما قدّرت الجهات الطلابية العدد بأضعاف ذلك. ولم تكمن أهميتها في حجم المشاركين وحده، بل في سرعة انتشارها وتنظيم الطلاب أنفسهم عبر مجموعات رقمية أفقية أقل ارتباطاً بالأحزاب والنقابات، وربطهم التعليم بالعدالة الاجتماعية والفجوة بين الأجيال. وهذا لا يعني أن الجيل صار قوة سياسية موحدة، لكنه فرض أسئلته على أجندة الدولة.
أما الصورة الثانية فأعمق، وهي صربيا. ففي الأول من تشرين الثاني 2024 انهارت مظلة محطة القطار في نوفي ساد وأودت بحياة 16 شخصاً. كان يمكن أن تنتهي الحادثة بتحقيقات تخبو، لكن الطلاب جعلوها مدخلاً لأسئلة أكبر: من يتحمل المسؤولية؟ وأين تذهب الأموال العامة؟ ولماذا تغيب الشفافية والمساءلة؟ فاتسعت الحركة من الجامعات إلى المدن والبلدات، وتحولت من مواجهة حادثة إلى مواجهة منظومة هيمن عليها الحزب التقدمي الصربي سنوات طويلة.
ثم أدرك الطلاب أن الاحتجاج مهما اتسع لا يصنع تغييراً مستداماً ما لم يتحول إلى قوة تنافس داخل المؤسسات، فشكّلوا قائمة انتخابية أظهرت النتائج الأولية حصولها على 140 مقعداً من 250، مقابل و104 مقاعد للقائمة التي يقودها الحزب الحاكم. وهكذا انتقلوا من موقع المعترض إلى موقع المنافس، ومن المطالبة بالمحاسبة إلى تحمل مسؤولية تقديم البديل. غير أن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الفوز، فالفوز في الانتخابات شيء، وبناء مؤسسات نزيهة وإدارة اقتصاد وصياغة سياسة خارجية متوازنة شيء آخر، والنجاح في توحيد الناس حول رفض الفساد لا يضمن توحيدهم حول برنامج للحكم.
والصورة الثالثة هي الولايات المتحدة، حيث يُختبر تأثير الشباب من داخل النظام الديمقراطي ذاته. فالانتخابات النصفية في الثالث من تشرين الثاني تأتي في أجواء استقطاب حاد وقلق من كلفة المعيشة وانحسار فرص العمل وأثر الذكاء الاصطناعي. وبحسب استطلاع معهد السياسة في جامعة هارفارد المنشور في 22 تشرين الأول، قال نحو 33% فقط من الشباب إنهم سيصوتون حتماً، وهي فجوة بين الاهتمام والمشاركة؛ لكن بين من أكدوا نيتهم تقدم الديمقراطيون بنسبة 63% مقابل 26%، وكانت كلفة المعيشة والإدارة الحكومية في صدارة ما يحركهم.
وهذا الجيل ليس كتلة متجانسة، لكنه قد يكون العامل المرجّح في دوائر متقاربة، ونفوذه لا يبدأ عند صندوق الاقتراع ولا ينتهي عنده، فمن يحدد الأسئلة التي يُجبر السياسيون على الإجابة عنها يمارس قوة حقيقية قبل أن يصوّت. وإذا تحولت حالة الاستياء إلى مشاركة واسعة حملت النتيجة رسالة تتجاوز الانتخابات نفسها.
ويساعد في فهم هذه الظاهرة ما قدمه كبار المفكرين. فقد رأى الألماني مانهايم أن الجيل لا يتحدد بالعمر وحده، بل بالتجارب التاريخية المشتركة، وهذا الجيل (جيل زد) تشكل وعيه في ظل أزمات متزامنة: الأزمة المالية العالمية، وجائحة كورونا، والحروب في شرق أوروبا والشرق الأوسط، والتغير المناخي، وتفاقم التفاوت الاقتصادي؛ ولذلك لا يمنح المؤسسات القدر نفسه من الثقة والتسليم.
وميّزت حنة آرنت بين القوة التي تولد من اجتماع الناس وفعلهم المشترك والعنف الذي تلجأ إليه بعض السلطات، فالسلطة الحقيقية تستمد شرعيتها من قبول الناس؛ وهذا ما نراه اليوم، إذ يفرض آلاف الشباب، من دون أجهزة دولة أو موارد ضخمة، على أصحاب القرار مراجعة قراراتهم، بل ينافسونهم في الانتخابات.
وأوضح مانويل كاستلز في "مجتمع الشبكات" أن شبكات الاتصال أنهت احتكار المؤسسات للمعلومات والروايات، وذهب مارشال ماكلوهان أبعد حين رأى أن الوسيلة تعيد تشكيل تفكير الإنسان وعلاقته بالعالم، فأصبح العالم فضاءً سياسياً متداخلاً تنتقل فيه الرموز وأساليب التعبئة عبر الحدود بسرعة غير مسبوقة. لكن الإسباني أورتيغا إي غاسيت يذكّرنا في "ثورة الجماهير" بالوجه الآخر، فاندفاع الجماهير إذا انفصل عن المعرفة والمسؤولية واحترام المؤسسات قد يتحول إلى قوة هدم؛ فسهولة التعبئة لا تعني صواب ما تتبناه الحركات، وسرعة انتشار المعلومة قد تصير سرعة انتشار للتضليل، وقد تتحول المطالبة بالعدالة إلى استقطاب.
ما نشهده إذن تحول في طبيعة المشاركة السياسية لا موجة عابرة. فالنموذج التقليدي قائم على تمثيل دوري: ينتخب المواطن حزباً، والحزب يمثله في البرلمان، والبرلمان يراقب الحكومة. أما هذا الجيل فيريد حضوراً بين الانتخابات أيضاً، يشارك في صياغة القرار ويراقب تنفيذه ويحاسب المسؤولين عنه.
وهو لا يرفض الديمقراطية، بل يطالب بأن تكون أكثر استجابة وشفافية. والخطأ الأكبر أن يُعامَل كمشكلة أمنية تُحتوى، أو أن يُظن أن ضبط المنصات يضبط المزاج الاجتماعي، فوسائل التواصل لا تصنع الأزمات من العدم، بل تكشف أزمات قائمة لم تجد من يصغي إليها.
والمطلوب شراكة حقيقية لا مؤتمرات شبابية شكلية ولا مقاعد رمزية، ومشاركة فعلية في صياغة السياسات داخل المجالس المحلية والبرلمانات والمؤسسات التي تقرر شؤون التعليم والعمل والاقتصاد، فالوظيفة والسكن والتعليم الجيد وتكافؤ الفرص أساس الانتماء والثقة بالمؤسسات.
وتُبنى الثقة بالشفافية والمساءلة، فجيل اعتاد التحقق من المعلومة لن يقبل خطاباً يطلب التصديق دون تفسير، ولا وعوداً بلا جدول زمني ومحاسبة على النتائج. وعلى الأحزاب أن تدرك أن زمن احتكارها تمثيل الشباب انتهى، وأن من توصد أبوابها قد تجدهم يبنون منصاتهم خارجها، كما حدث في صربيا.
وفي الأردن تحمل هذه التحولات فرصة لا ينبغي تفويتها. فلدينا جيل متعلم ومتصل بالعالم، لكنه يحتاج أن يرى مستقبله في بلده. وقد وضّح الملك عبدالله الثاني الاتجاه منذ البداية، وجسّده في سلسلة من الرسائل الملكية ركزت على تعزيز الشفافية وتوسيع المشاركة السياسية وتطوير الإدارة العامة وإصلاح القضاء وتحسين التعليم والصحة وتشجيع الاستثمار وتعزيز الهوية الوطنية. والأردنيون أثبتوا في كل أزمة أنهم يقفون خلف قيادتهم ووطنهم، وأن الثقة بالقيادة الهاشمية صمام أمان في محيط مضطرب.
وفي قلب هذه الفرصة يبرز دور ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، الأقرب إلى هذا الجيل سناً وتجربة ولغة. فهو لا يكتفي بالحضور الرسمي، بل يحرص على زيارة المؤسسات الحكومية والخاصة والتواصل مع الأردنيين في مواقعهم، والاستماع إلى احتياجاتهم وأفكارهم، وهو ما يجعل الإصغاء، لا الخطاب، مدخل العلاقة مع الشباب. وقيمة هذا الدور أنه ينقل الشباب من موقع المتلقي إلى موقع الشريك، ويمنح مشروع التحديث السياسي وجهاً شبابياً قريباً من الناس.
لكن وضوح الرؤية لم يمنع تعثر التنفيذ، لأسباب منها الضغوط الإقليمية المتشابكة، والمقاومة البيروقراطية، وغياب ثقافة سياسية تعزز المشاركة الحقيقية، والضغوط الاقتصادية المستمرة. والمشكلة اليوم في بعض القيادات التنفيذية والاعلامية التي لم تعد تقنع الناس، بل أعادت إنتاج بعض الأزمات بدل حلها، والمواطن لم يعد يقبل وعوداً بلا أفعال ولا تدويراً لوجوه استهلكها الإخفاق. وكذلك الإعلام، الذي يُفترض أن يكون جسراً بين الدولة والمجتمع، يبدو في بعض خطابه بارداً ومنفصلاً عن الناس، ويغرق في شعبويات تضعف المؤسسات. أما اقتصادياً فلم تنجح الليبرالية غير المنضبطة، وكانت نتيجتها ارتفاع المديونية وتآكل الطبقة الوسطى وتضخم معاناة المواطن.
ومشروع التحديث السياسي لن يكتمل بتطوير قوانين الانتخاب والأحزاب وحدها، ما لم يتحول الشباب إلى شركاء فعليين يجدون في الأحزاب والمؤسسات قنوات حقيقية للتأثير.
وإدماجهم ليس تنازلاً من الدولة عن سلطتها، بل استثمار في استقرارها. وهذا يقتضي تطبيقاً مباشراً وسريعاً لما ورد في الرسائل الملكية، وتجاوزاً فعلياً للبيروقراطية، وتولية رجال دولة على أساس الكفاءة والإخلاص لا التزكية والتدوير والرضاء عنهم من بعض من هم في مواقع القرار، بحيث يكونوا قادرين على مخاطبة الناس بصدق ومسؤولية. وحين يثق الشعب بمؤسساته ويلتحم بجيشه وأجهزته الأمنية في مشروع وطني جامع، ينتقل الأردن بقيادة الملك من دولة تحافظ على الاستقرار إلى دولة تصنع المستقبل.
ربما لا يكون جيل زد أكثر حكمة ممن سبقه، ولا يملك خبرة إدارة مؤسسات الدولة، لكنه يملك أدوات تأثير لم تتح لجيل قبله. وقد تنجح بعض حركاته وتتعثر أخرى، وقد يكتشف قادته أن إدارة الدولة أصعب من معارضة الحكومات. غير أن السؤال الحاسم ليس هل سيغيّر هذا الجيل العالم، بل هل ستتغير مؤسسات العالم قبل أن يُفرض عليها ذلك.