facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




تمويل التملك .. حين يتحول "حلم البيت" إلى قلق دائم


فيصل تايه
13-08-2026 10:03 AM

ثمة قضية تتسع بصمت داخل البيوت الأردنية، وتحتاج إلى أن تخرج من دائرة الشكاوى الفردية إلى دائرة النقاش العام: قضية المواطنين الذين دخلوا في تمويلات سكنية طويلة الأجل، بحثًا عن بيت يؤمّن استقرار أسرهم ومستقبل أبنائهم، فإذا بهم بعد سنوات يواجهون أقساطًا متغيرة، وأرصدة لا تنخفض بالسرعة المتوقعة، والتزامات تتمادى، وربما دفعة نهائية كبيرة تنتظرهم في نهاية الطريق. هؤلاء لم يدخلوا مغامرة تجارية؛ إنهم أرادوا بيتًا، فإذا بحلم الاستقرار يتحول إلى مصدر دائم للقلق والخوف من الغد.

المشكلة الأعمق تكمن في طبيعة العلاقة التعاقدية نفسها؛ فالمؤسسة المالية تدخل العلاقة وهي تملك الخبراء والمعادلات وآليات إعادة الاحتساب، بينما يدخل المواطن وهو يريد إجابة بسيطة: كم سأدفع، وإلى متى، وكم الكلفة الإجمالية؟ وبين هذا السؤال البسيط والتعقيد المالي للعقد مساحة واسعة لا يدرك المقترض خطورتها إلا بعد سنوات، عندما يصبح الخروج من الالتزام صعبًا ومكلفاً.

وهنا تبرز إشكالية التسعير المتغير. فمن الطبيعي أن تتأثر المنتجات المالية بالظروف الاقتصادية، لكن العدالة لا تعني أن يتحمل طرف واحد المخاطر. فإذا كان التسعير متغيرًا، فمن حق المواطن أن يعرف المؤشر المرجعي وهامشه، وأن تتاح له قبل التوقيع محاكاة رقمية واضحة تُظهر أثر ارتفاع الفائدة على القسط والرصيد والتكلفة النهائية. فالكلمة التي تبدو بسيطة في العقد (متغير) قد تعني لأسرة كاملة سنوات من عدم اليقين.

وإذا كان القسط المتغير يمثل جانبًا من الإرباك، فإن الدفعة البالونية (النهائية) تمثل الجانب الأكثر إثارة للقلق. والبنك المركزي يربطها في مواده التوعوية بحالات من بينها تثبيت الأقساط أو ارتفاع الفائدة أو تأجيل سداد الأقساط. والحديث عن تأجيلات جائحة كورونا —التي بلغت لأفراد زهاء ٩٠٠ مليون دينار— يفرض سؤالًا مشروعاً: ماذا حدث لالتزام المواطن بعد التأجيل؟ كيف تغيرت المدة والرصيد والكلفة النهائية؟ المواطن لا يطلب الإعفاء من دينه، بل يطلب أن يفهم ما الذي جرى لدينه.

وهذا ينقلنا إلى نقطة أعمق: هل يكفي أن يكون العقد مستوفيًا لشروطه الشكلية لإثبات عدالته ماليًا، في ظل تباين المعرفة بين الطرفين؟ الشفافية الحقيقية ليست بوجود بنود في عقد طويل ومعقد، بل بقدرة المواطن على فهم أثر العقد على راتبه، ومدة التزامه، والكلفة التي سيتحملها في النهاية.

وهنا تبرز مسؤولية البنك المركزي الأردني في ضمان توازن العلاقة؛ فمبادئ حماية المستهلك المالي تقوم على العدالة والتسعير المسؤول وتجنب الإفراط في المديونية. والمطلوب هنا ليس مهاجمة القطاع المصرفي الذي نعتز بقوته، بل إعادة التوازن عبر إجراء عملي بسيط: إصدار كشف موحد ومفهوم لتمويلات التملك ذات التسعير المتغير؛ بمثابة "خريطة مالية" تشرح للمواطن أصل التمويل، وما دفعه، وما تبقى عليه، وأسباب تغير القسط، وأثر التأجيلات والدفعات النهائية.

إن قضايا السكن ليست عقودًا فردية فحسب؛ فعندما تستهلك الأقساط جزءًا متزايدًا من دخل الأسرة، فإن أثرها يمتد إلى التعليم والصحة والادخار، ويضغط على قدرة الأسر على الإنفاق والاستهلاك. ومن حق المجتمع أن يعرف حجم هذه الظاهرة، وعدد التمويلات المتغيرة، وأثر التأجيلات، وحجم الشكاوى، لتطوير التعليمات إن لزم الأمر.

المواطن لا يطلب بيتاً مجانياً، ولا يتهرب من التزامه، ولا يريد خسارة البنك؛ إنه يريد فقط أن يعرف: كم دفع، وكم بقي عليه، ولماذا بقي، وكم سيدفع في النهاية. فإذا كانت الحسابات سليمة فلتُشرح، وإذا كانت العقود عادلة فلتكن نتائجها مفهومة.

لأن البيت الذي اشتراه المواطن ليكون أمانًا لعائلته، لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر خوف دائم من القسط والرصيد والدفعة الأخيرة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :