facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




توزيع الطلبة في المسارات: قراءة في فلسفة الاختيار والمفاضلة


فيصل تايه
15-08-2026 09:38 AM

​أثار توزيع الطلبة على الحقول الدراسية نقاشاً واسعاً، واختُزل جانب من الجدل في سؤال مباشر: هل أصبح معدل الطالب هو الذي يحدد مستقبله؟ لكن الإجابة المنصفة لا تبدأ من المعدل، بل من فهم فلسفة المسارات نفسها، والحدود التي يفرضها الواقع التعليمي على أي نظام يريد أن يوازن بين رغبة الطالب وإمكانات المدرسة والطاقة الاستيعابية لكل حقل.

​فمن الطبيعي أن يكون اختيار الطالب هو نقطة البداية؛ إذ لا معنى للمسارات إذا لم تمنح الطالب مساحة لاختيار المجال الذي يراه أقرب إلى ميوله وقدراته. لكن الاختيار، مهما كان حقاً أصيلاً، لا يحدث في فراغ. فلكل حقل طاقة استيعابية محددة، وقد يتجاوز عدد الراغبين فيه عدد المقاعد المتاحة. وعندها يظهر السؤال الذي لا يستطيع أي نظام تعليمي الهروب منه: ماذا نفعل عندما يريد الجميع المقعد نفسه؟

​هنا تحديداً تأتي المفاضلة.​فالمفاضلة، من حيث المبدأ، ليست إلغاء لرغبة الطالب، وإنما آلية لتنظيمها عندما تتجاوز الطلبات القدرة على الاستيعاب. والخلط بين الأمرين هو الذي جعل جانباً من النقاش يبدو وكأن النظام يختار للطالب بدلاً منه، بينما المسألة في جوهرها أكثر دقة: الطالب يختار أولاً، وإذا زادت الرغبات على المقاعد تبدأ المفاضلة بين المتنافسين.

​ومن هذه الزاوية يمكن فهم موقع المعدل في المعادلة. فإذا كان التحصيل الدراسي أحد معايير ترتيب الطلبة عند تزاحم الرغبات، فإنه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حكماً على قيمة الطالب أو تحديداً مسبقاً لمستقبله، وإنما معياراً للمفاضلة على مقاعد محدودة. وهذه نقطة فارقة؛ لأن القول إن "المعدل يحدد مستقبل الطالب" يختلف جذرياً عن القول إن "المعدل يستخدم للمفاضلة عندما لا تكفي المقاعد".

​لكن الاعتراف بضرورة المفاضلة لا يعني أن الحوار ينتهي هنا، بل يبدأ سؤال أكثر أهمية: هل معيار المفاضلة نفسه عادل؟ وهل يعرفه الطالب مسبقاً؟ وهل يملك الوقت الكافي للاستعداد له؟

​وهذه الأسئلة تكتسب أهميتها من الملاحظات التي أثيرت حول توقيت تطبيق بعض الإجراءات، وتقليص عدد الحقول، وتحديد سقف للطاقة الاستيعابية، والاعتماد على المعدلات المدرسية في ترتيب الطلبة. وهنا لا بد من طرح جملة من المخاوف، خصوصًا ما يتعلق بالتخطيط المسبق، واستقرار القواعد، وتفاوت معايير التقييم بين المدارس.

​ولا ينبغي النظر إلى هذه الملاحظات باعتبارها رفضاً لفكرة تنظيم الطاقة الاستيعابية؛ فمحدودية المقاعد حقيقة لا يمكن تجاهلها. لكنها تضع أمام صانع القرار سؤالاً مشروعاً: هل كانت قواعد المنافسة واضحة للطالب قبل أن يُطلب منه أن ينافس عليها؟

​من وجهة نظري، فإن العدالة لا تبدأ لحظة إعلان النتائج، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ عندما يعرف الطالب والأسرة والمدرسة القاعدة التي سيُبنى عليها القرار، ويدرك الطالب ما الذي يحتاج إلى تحقيقه، وتتاح له فرصة واقعية للاستعداد. أما إذا تغيرت القواعد بعد أن يكون الطالب قد بنى اختياراته على فهم مختلف، فإن المشكلة لا تعود في وجود المفاضلة نفسها، وإنما في توقيت القاعدة واستقرارها.

​وهنا أؤكد، من واقع خبرتي ومتابعتي للميدان التربوي، أن خطورة السؤال تتضاعف عندما يتحول المعدل المدرسي إلى معيار مفاضلة حاسم؛ فمن غير المنصف أن يتفاوت وزن العلامة بتفاوت أساليب التقييم بين مدرسة وأخرى. ومن موقع المسؤولية التربوية، أرى أن حق الطالب الأول هو أن يثق تماماً في عدالة العلامة التي يحملها.

​هذه ليست دعوة إلى إلغاء التحصيل المدرسي، بل إلى التعامل معه بالجدية نفسها التي نمنحه إياها عندما نجعله معياراً للمنافسة. فإذا كانت العلامة ستؤثر في مسار الطالب، فمن حق الطالب أن يثق في عدالة العلامة.

​وفي تقديري الشديد، فإن مسؤولية الوزارة هنا تتجاوز حدود إصدار التعليمات على الورق؛ فالإصلاح التعليمي الحقيقي، كما شهدناه عبر تجارب متعددة، لا يُقاس بصحة الفكرة نظرياً، بل باستقرارها ووضوحها وقدرة المدارس والكوادر الميدانية على استيعابها وتهيئتها للطلبة. وحسب قراءتي للمشهد، فإن أي قرار تربوي يخلو من التمهيد الكافي لن ينتج إلا ارتباكاً يرهق المدرسة والأسرة معاً.

​وهنا لا تقل مسؤولية المدرسة والمعلم والمرشد والأسرة أهمية عن مسؤولية الوزارة. فالطالب لا يحتاج فقط إلى أن يُطلب منه اختيار مسار، وإنما يحتاج إلى أن يفهم معنى اختياره، وطبيعة الحقل الذي يتجه إليه، ومتطلباته، وآفاقه، ومدى انسجامه مع قدراته وميوله.
​وهنا أودّ أن أوجّه رسالة صريحة ونقلة مفاهيمية للأسرة وللمجتمع ككل: إن المسارات التعليمية ليست، ولن تكون، سلّماً لتقييم قيمة أبنائنا أو مستوى ذكائهم.

أقولها بثقة تربوية: النجاح والتميز لا يمرّان من باب واحد، وخطر ما نخشاه على أبنائنا هو أن ندفهم تحت الضغط المجتمعي والصورة النمطية إلى سباق أرقام وعلامات في مسارات لا تناسب ميولهم ولا تبني مستقبلهم.

​ومن هنا، فإن نجاح نظام المسارات لا يمكن أن يقاس بعدد الطلبة الذين دخلوا هذا الحقل أو ذاك، وإنما بقدرته على تحقيق توازن بين الرغبة والقدرة والطاقة الاستيعابية والعدالة في التقييم ووضوح القواعد.
​ولهذا ينبغي أن ينتقل نقاشنا من سؤال: «هل المفاضلة صحيحة أم خاطئة؟» إلى سؤال أكثر نضجاً: كيف نجعل المفاضلة عادلة؟

​إذا كانت المقاعد محدودة، فلا بد من تنظيمها. وإذا تجاوزت الرغبات الطاقة الاستيعابية، فلا بد من المفاضلة. وإذا كانت المفاضلة تعتمد معياراً محدداً، فلا بد أن يكون معلوماً وعادلاً. وإذا كان لهذا المعيار أثر مباشر في مستقبل الطالب، فلا بد أن يعرفه الطالب مسبقاً وأن تتاح له فرصة حقيقية للاستعداد له. وإذا كان الإصلاح سيغير طريقة توزيع الطلبة، فلا بد أن يسبقه تخطيط يراعي المدارس والكوادر والتشكيلات وحاجات الميدان.

​وهنا يظهر الفرق بين المساواة والعدالة. فالعدالة لا تعني أن يحصل كل طالب على الحقل الذي يريده مهما بلغ عدد المتنافسين عليه، لأن ذلك غير ممكن عندما تكون المقاعد محدودة. لكنها تعني أن يحصل الجميع على فرصة عادلة للاختيار، وأن يعرفوا القاعدة مسبقاً، وأن تطبق القاعدة على الجميع، وأن تكون البدائل المتاحة مسارات حقيقية للنجاح وليست مجرد وجهة لمن لم يحالفه الترتيب.

​في النتيجة، لا تكمن المشكلة في أن تكون هناك مفاضلة، وإنما في أن تكون المفاضلة غامضة أو مفاجئة أو غير متكافئة. ولا تكمن المشكلة في محدودية المقاعد، وإنما في ألا يعرف الطالب حدودها قبل أن يبني اختياره. ولا تكمن المشكلة في استخدام المعدل، وإنما في أن يتحول المعدل من أداة للمفاضلة إلى حكم نهائي على مستقبل الطالب.

​وقناعتي الراسخة التي أختم بها هي أن المعادلة ليست معقدة إذا أخلصنا الفهم: الطالب يختار بوعي، والنظام ينظم بشفافية، والطاقة الاستيعابية تحدد المتاح، وعند التزاحم تبدأ المفاضلة بمعيار عادل ومعلوم للجميع.

​وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يلتقي عندها الجميع: الوزارة التي تريد نظاماً قابلاً للتطبيق، والمدرسة التي تريد استقراراً في التخطيط، والمعلم الذي يريد وضوحاً في مهمته، والأسرة التي تريد الاطمئنان على مستقبل أبنائها، والطالب الذي يريد أن يعرف أن اختياره مسموع وأن فرصته عادلة.

​فليس المطلوب أن يحصل كل طالب على كل ما يريد؛ فهذا غير ممكن. المطلوب أن يحصل كل طالب على حق الاختيار، ووضوح المعلومة، ووقت الاستعداد، وعدالة المنافسة.

​وعندها فقط تصبح المسارات وسيلة لتنظيم الخيارات وتوسيعها، لا مصدراً للقلق حولها؛ ويصبح المعدل معياراً عند الحاجة، لا وصمة على الطالب؛ وتصبح المفاضلة أداة للعدالة في توزيع المقاعد، لا سبباً للشعور بعدم الإنصاف.

​فالعدالة في التعليم ليست أن نعد الجميع بالمقعد نفسه، وإنما أن نضمن للجميع الطريق العادل إلى المقعد.

​والله ولي التوفيق..
​
مع تحياتي





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :