الامتحان الحقيقي للقبولات الجامعية بعد نظام المسارات ..
فيصل تايه
16-08-2026 10:28 AM
ما أن أُعلنت نتائج الثانوية العامة لهذا العام، حتى انصرف الاهتمام من فرحة النتيجة إلى سؤال المستقبل: ماذا بعد؟ وهذه المرة لا يأتي السؤال في سياق اعتيادي، بل في ظل تجربة تعليمية جديدة أعادت ترتيب الطريق أمام الطالب منذ المرحلة الثانوية، عبر نظام المسارات والحقول.
لذلك فإن الجدل الذي بدأ يحيط بالقبولات الجامعية، ولا سيما في التخصصات الطبية، يستحق أن نقرأه بهدوء؛ لأنه يكشف للمرة الأولى كيف يلتقي المسار الذي اختاره الطالب في المدرسة بالخيارات التي ستتاح له في الجامعة.
ومن المهم هنا أن نضع الأمور في نصابها. فاختيار الطالب لحقل أو مسار لا يعني حصوله تلقائياً على تخصص جامعي بعينه، وإنما يحدد مجموعة الخيارات التي يمكنه المنافسة عليها. وبعد ذلك تدخل عوامل أخرى في معادلة القبول، من المعدل وشروط الالتحاق وترتيب الرغبات، إلى أعداد المتنافسين والطاقة الاستيعابية وسياسات القبول.
وهنا أرى أن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى الطالب والأسرة هي أن الأهلية للمنافسة على تخصص ليست هي القبول في التخصص. فالطالب الذي يتيح له مساره المنافسة على الطب يدخل السباق، لكنه لا يمتلك المقعد مسبقاً ، فالمقاعد محدودة، والطلب مرتفع، والطاقة الاستيعابية ليست بلا سقف، خصوصاً في التخصصات الطبية والصحية.
وهذه الحقيقة يجب أن يعرفها الطالب وهو يختار مساره، لا أن يكتشفها بعد ظهور نتائج القبول.
ومن هنا يأتي السؤال الذي أراه أكثر أهمية من سؤال "لماذا لم أحصل على التخصص الذي أريده؟": هل كنت أعرف أصلًا ماذا يتيح لي مساري؟
إذا كنا نطلب من الطالب أن يختار مبكراً، فمن واجب المنظومة التعليمية أن تعطيه معرفة مبكرة أيضاً: ماذا يفتح له مساره؟ ما شروط كل تخصص؟ كيف تكون المنافسة؟ وما البدائل إذا لم يتحقق الخيار الأول؟ عندها فقط يصبح الإرشاد الأكاديمي والمهني جزءاً من النظام، لا خدمة تأتي في نهاية الطريق.
لكن المشكلة أوسع من نقص المعلومات؛ فهي تمس ثقافة اجتماعية اعتادت أن تختصر النجاح في أسماء محددة: طب، هندسة، صيدلة. وهذه التخصصات لها مكانتها، بلا شك، لكنها ليست معياراً وحيداً لنجاح الإنسان. فالتخصص الذي يرفع صاحبه اجتماعياً قد لا يكون هو التخصص الذي ينجح فيه علمياً أو مهنياً.
ولهذا ربما آن الأوان لأن نبدل السؤال من "ماذا أريد أن أدرس؟" إلى "أين أستطيع أن أبدع، وماذا يحتاج المستقبل؟" فالطموح لا يعني أن يتمسك الطالب بباب واحد حتى النهاية، بل أن يعرف كيف يفتح الأبواب التي تناسب قدراته.
ومن هنا أيضاً لا ينبغي أن يتحول عدم الحصول على الخيار الأول إلى حكم على الطالب أو على مستقبله. فالذي لم يحصل على الطب ليس فاشلاً ، كما أن الذي حصل عليه لم يضمن نجاحه بمجرد دخوله كلية الطب. المستقبل تصنعه الكفاءة والاستعداد والمثابرة بقدر ما يصنعه اسم التخصص.
لكن لا يمكن أن نترك الطالب والأسرة وحدهما أمام هذه المعادلة. فإذا كنا نريد اختياراً مبكراً للمسار، فعلينا أن نوفر معلومات دقيقة ومعلنة عن التخصصات وشروطها والطاقة الاستيعابية وفرص القبول والبدائل الممكنة. و
هذه الدفعة الأولى من خريجي النظام الجديد تحتاج، أكثر من غيرها، إلى وضوح في الإجراءات وعدالة في المعالجة، حتى لا يتحمل الطالب وحده تبعات أي نقص في الإرشاد أو التنسيق.
وفي الاتجاه نفسه، إذا كنا نريد أن نوجه أبناءنا إلى التعليم التقني والمهني وتخصصات المستقبل، فلا يكفي أن نقول إنها مطلوبة. علينا أن نجعلها ذات قيمة حقيقية في حياة الطالب، من خلال مسارات واضحة، واعتراف مهني، وفرص عمل وتقدم، حتى تصبح خياراً نابعاً من القناعة لا بديلاً اضطرارياً عن تخصص آخر.
وهنا تلتقي المدرسة بالجامعة بسوق العمل. فعدد المقاعد الجامعية، وحجم الإقبال على التخصصات، وقدرة السوق على استيعاب الخريجين ليست ملفات منفصلة؛ إنها أجزاء من سؤال واحد: أي نوع من رأس المال البشري نريد أن نبني؟
وليس من الحكمة أن نستجيب لكل ارتفاع في الطلب بزيادة القبول، ثم نكتشف بعد سنوات أن السوق لم يعد قادراً على استيعاب المخرجات. فالجامعة ليست مصنعاً لإنتاج الشهادات، وإنما مؤسسة لصناعة رأس المال البشري.
لذلك فإن الجدل الحالي حول القبولات لا ينبغي أن يتحول إلى حكم متسرع على نظام المسارات، ولا إلى دفاع مطلق عنه. إنه ببساطة أول اختبار عملي لمدى قدرة النظام الجديد على وصل التعليم المدرسي بالتعليم العالي وسوق العمل.
وإذا كشفت التجربة عن فجوات، فهذه ليست نهاية الطريق ، فالإصلاح الحقيقي لا يعني أن نضع نظاماً جديداً ثم نفترض أنه اكتمل، وإنما أن نراقب أثره، ونسمع للطلبة والأسر والمعلمين والجامعات، ونصحح حيث يجب التصحيح.
ويبقى للأسرة دور لا يقل أهمية؛ فهي ليست مطالبة بأن تختار مستقبل أبنائها، وإنما بأن تساعدهم على اختياره. الطالب لا يحتاج إلى من يقول له: "يجب أن تدخل الطب"، بقدر ما يحتاج إلى من يقول له: "اختر المجال الذي تستطيع أن تنجح وتتميز فيه".
في تقديري فإن القيمة الحقيقية لنظام المسارات لن تظهر في شكل الامتحان وحده، وإنما في قدرته على تغيير ثقافة الاختيار؛ أن يعرف الطالب نفسه قبل أن يختار، ويفهم خياراته قبل أن يكتب رغباته، ويقرأ سوق العمل قبل أن يقرر مستقبله.
فالقبول الجامعي ليس مجرد مقعد، والمسار ليس وعداً بتخصص، والنتيجة ليست حكماً على الإنسان.
وإذا كنا قد بدأنا بإصلاح الامتحان، فإن الامتحان الحقيقي يبدأ الآن: هل نستطيع أن نصلح الاختيار، ونحوّل التعليم من إدارة الرغبات إلى صناعة المستقبل؟