facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




مع عام دراسي جديد .. الإصلاح يبدأ من الميدان


فيصل تايه
17-08-2026 09:45 AM

التحق المعلمون صباح أمس بمدارسهم، وبدأت الأسرة التربوية استعداداتها لاستقبال الطلبة للعام الدراسي الجديد. وقد يبدو المشهد للوهلة الأولى مألوفاً؛ معلمون يعودون إلى مدارسهم، ومدارس تتهيأ لاستقبال طلبتها، وعام دراسي يفتح أبوابه من جديد.

غير أن ما وراء هذا المشهد هذه المرة مختلف؛ فالمعلم يعود إلى مدرسته في ظل وزارة جديدة، وقانون جديد، وهيكل تنظيمي جديد، ومنظومة يعاد فيها ترتيب التعليم على قاعدة أوسع تربطه بتنمية الموارد البشرية وتوحد مرجعياته.

ومن واقع سنوات طويلة في هذا الميدان، أرى أن قيمة هذه اللحظة لا تكمن في تغيير المسميات، وإنما في السؤال الذي يجب أن يسبق كل شيء: ماذا سيصنع هذا التغيير في الميدان التربوي، وعلى رأسه المدرسة؟

فإذا كان الهدف من هذا التحول هو إعادة بناء المنظومة، فإن قيمة الوزارة الجديدة لا تقاس بشكلها الإداري، كما لا تقاس قيمة الهيكل بعدد وحداته ومسمياته.

فالدمج، في جوهره، ليس جمع مؤسسات تحت سقف واحد، وإنما انتقال من تعدد المرجعيات إلى وحدة الرؤية وتكامل القرار، وربط مسارات التعليم العام والمهني والتقني والعالي ضمن رؤية واحدة تخدم الإنسان والاقتصاد وسوق العمل.

وهنا تبرز أهمية أن يتحول التعليم المهني والتقني إلى مسار جاذب وفاعل، ببيئات تدريب تطبيقية وشراكات حقيقية مع القطاع الخاص، بما يفتح أمام الطلبة خيارات أوسع ويصل التعليم باحتياجات المستقبل.

وحين تتغير فلسفة المنظومة، يصبح الهيكل الجديد امتحاناً للقيادات قبل أن يكون امتحاناً للنصوص. فبعد اختيار الأمناء العامين، وما سيليه من اصطفاء للكفاءات في مواقع مديري الإدارات ورؤساء الأقسام، ومراجعة أداء القيادات الميدانية وقدرتها على حمل متطلبات المرحلة، يتجاوز حدود التشكيل الإداري؛ فهو في جوهره اختيار لمن سيحمل مشروع التحول إلى الميدان.

ومن موقع من عايش تفاصيل هذا العمل عن قرب، فإن الكفاءة لا تُقاس بطول السيرة الوظيفية وحدها، وإنما بقدرة صاحب القرار على قراءة المدرسة، وفهم تعقيدات العمل، وإدارة التغيير، واتخاذ القرار في وقته، ومعرفة متى يفوض ومتى يتدخل، والعمل بروح الفريق.

وفي الوقت نفسه، فإن التجديد لا يعني إهدار الخبرة؛ فبين القيادات القائمة من راكمت معرفة حقيقية بتفاصيل العمل، ويمكن أن تشكل خبراتها قيمة مضافة في مواقع القرار، متى وضعت الكفاءة والقدرة على الإنجاز معياراً للاختيار. فالإصلاح لا تصنعه المسميات، وإنما تصنعه الكفاءة.

غير أن الكفاءة وحدها لا تكفي إذا بقي القرار بعيداً عن مكان المشكلة. وتكشف الممارسة اليومية أن نقل الصلاحية لا يحقق غايته ما لم تنتقل معها أدوات القرار والموارد والمسؤولية؛ فاللامركزية ليست نقل اختصاصات على الورق، وإنما تمكين المديريات والمدارس من معالجة احتياجاتها ضمن القانون، وبالسرعة التي تتطلبها المشكلة ، فلا مسؤولية بلا صلاحية، ولا صلاحية بلا كفاءة، ولا كفاءة بلا مساءلة. وعندها فقط تصبح المديرية ذراعاً فاعلة للوزارة، لا حلقة إضافية في سلسلة الإجراءات.

وهنا تبرز حساسية المرحلة الانتقالية؛ فإعادة ترتيب البيت الإداري يجب ألا تربك البيت التربوي. وأفضل إدارة للتغيير هي التي تسمع قبل أن تتدخل، وتستبق الاختناق قبل أن يتحول إلى أزمة؛ بمرجعية واضحة، وخطوط صلاحيات محددة، وآلية سريعة لرصد المشكلات ومعالجتها. فالعام الدراسي لا ينتظر اكتمال الهياكل، والطالب لا يستطيع تأجيل حاجته، والمعلم لا ينبغي أن يدفع ثمن أي ارتباك مؤسسي.

والاكتظاظ، والأبنية، ونقص بعض التخصصات، وتوزيع الكوادر، وفجوات التعلم، ليست أرقاماً في جداول؛ إنها مشكلات يومية لها أثر مباشر في المدرسة والمعلم والطالب.

ولذلك لا ينبغي أن تبقى ملفات موسمية نعود إليها كل عام بالأسئلة نفسها، بل يجب أن تنتقل المنظومة من إدارة المشكلة إلى استباقها، بالاستفادة من نظم المعلومات التربوية وتحليل البيانات والأدوات الرقمية الحديثة، حتى يصبح القرار مبنيًا على قراءة دقيقة للاحتياجات قبل تحولها إلى أزمات.

وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن تطوير المنظومة دون الوقوف عند المعلم؛ فهو الحلقة التي تتحول عندها السياسات إلى ممارسة. ورفع كفاءته لا يكون بكثرة الدورات، وإنما ببناء مسار نمو مهني مستمر ينطلق من احتياجاته ويقيس أثره، ويمنحه الثقة والأدوات التي تمكنه من أداء رسالته. وكذلك مدير المدرسة، الذي ينبغي أن ينتقل من منفذ للإجراءات إلى قائد للتعلم، يمتلك مساحة حقيقية للتخطيط واتخاذ القرار، ويحاسب على النتائج.

وفي نهاية هذا المسار كله، يبقى الطالب هو المعيار الذي تعود إليه كل السياسات والهياكل والقرارات. فمعالجة الفجوات التعليمية، ورعاية الجوانب النفسية والمهارية، وتعزيز الشراكة مع الأسرة والمجتمع، ليست ملفات جانبية، بل جزء من صميم الإصلاح. فكل تغيير لا ينعكس على تعلم الطالب وشعوره بالأمان والانتماء والقدرة على المستقبل، يظل تغييراً إداريًا لم يكتمل.

انني وانا أكتب اليوم وبعد سنوات طويلة في رحاب هذا الميدان، ومن موقع من غادر الوظيفة ولم يغادر الميدان؛ فما حملته السنوات من تجربة ومعرفة بتفاصيل العمل يجعلني أرى في هذه المرحلة فرصة حقيقية تستحق أن تنجح، وأن أضع أمام صاحب القرار خلاصة ما تعلمته، لا لأحاكم التجربة الجديدة، وإنما لأساهم في إنضاجها.

وأرى أن أمام الوزارة فرصة تستحق أن تُستثمر: قيادات على أساس الكفاءة، وصلاحيات يقابلها تمكين، ومديريات قادرة على القرار، ومدارس محمية من التعقيد، وبيانات تقود التخطيط، ومعلم وطالب في قلب السياسة التربوية.

ولذلك لسنا بحاجة إلى أن نثبت أن القديم كان خطأ وأن الجديد هو الصواب؛ نحن بحاجة إلى أن نجعل الجديد أفضل. وهذه مسؤولية مشتركة تبدأ من صاحب القرار، لكنها لا تكتمل إلا عندما يشعر بها الميدان.

وعندها فقط يمكن أن نعرف إن كان التحول قد نجح فعلاً، لا من عدد الإدارات التي أعيد تنظيمها، ولا من عدد القرارات التي صدرت، وإنما من أسئلة أبسط وأعمق: هل أصبح القرار أسرع؟ هل أصبحت المديريات أقوى؟ هل أصبحت المدرسة أكثر قدرة؟ هل أصبح المعلم أكثر دعمًا؟ وهل أصبح الطالب يتعلم بصورة أفضل؟

هذه هي المؤشرات التي ينبغي أن تبقى على طاولة صاحب القرار؛ لأن الإصلاح الذي لا يمكن قياس أثره في الميدان يظل فكرة جميلة لم تكتمل بعد.

نحتاج وزارة تقود ولا تُثقل، ومديريات تقرر ولا تنتظر، ومدارس تُمنح الثقة ولا تُغرق بالإجراءات، وقيادات تُختار على أساس القدرة على الإنجاز، ومعلمين ينظر إليهم باعتبارهم رأس المال الحقيقي للإصلاح.

عندها فقط لن يكون الدمج مجرد دمج، ولا الهيكل مجرد هيكل، ولا الوزارة الجديدة مجرد اسم جديد؛ بل سنكون قد بدأنا فعلاً في إعادة بناء طريقة إدارة التعليم الأردني.

ومع عودة المعلم إلى مدرسته، يبدأ الامتحان الحقيقي؛ فالوزارة تُقاس بما تفعله في الميدان، والإصلاح بما يحدث في المدرسة، والتعليم كله بما يتعلمه الطالب.

وهذا هو الرهان الذي يستحق أن نضع فيه خبرتنا، وأن نمنح هذه المرحلة ما تستحقه من ثقة وفكرة صائبة ورؤية مسؤولة؛ حتى يكون العام الدراسي الجديد بداية مرحلة، لا مجرد بداية عام.

والله الموفق.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :