facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأدوات العادلة لا تضمن دائمًا نتائج عادلة .. الصندوق الأسود (34)


د. كفاية عبدالله
23-08-2026 12:51 AM

قد يبدأ الظلم أحيانًا من أداة صُممت لتحقيق العدالة.

مفارقة تستحق التأمل؛ فقد يكون التشريع عادلًا في فلسفته، محكمًا في معاييره، واضحًا في غايته، ثم تنتهي رحلته إلى نتيجة لا تشبه بدايته. ففي المسافة بين عدالة النص وعدالة التطبيق يقف الإنسان؛ وحين تتسلل الأهواء إلى تلك المسافة، قد تعجز أعدل الأدوات عن حماية غايتها من مزاجية التطبيق وضعف المهنية في التقييم.

ولعل المكافآت المبنية على تقييم الأداء من أكثر الأمثلة دلالة على ذلك. فقد جاءت فلسفتها لتعيد للاستحقاق معناه؛ أن تميّز المؤسسة بين من صنع أثرًا ومن اكتفى ببصمة الدوام، وأن تقول للمجتهد إن جهده مرئي، وللمتميز إن اختلاف عطائه له قيمة. فالعدالة لا تعني نسخ النهايات حين تختلف المساهمات في الطريق.

لكن عدالة الفكرة تُختبر حين تغادر النص وتسكن الممارسة.

فهناك، في المساحة التقديرية الممنوحة للمسؤول، يمكن أن يحضر الحكم المهني الناضج، ويمكن أن تتسلل حسابات لم تكتبها اللوائح: رضا أو غضب، قرب أو بعد، إعجاب أو نفور، وربما خلاف مهني أصاب الأنا أكثر مما أصاب العمل.

وعندها يبدأ ميزان الأداء بحمل ما لم يُصمَّم لوزنه.

يتراجع السؤال المهني: ماذا أنجز الموظف؟ ويتسلل مكانه سؤال أشد خطورة: ما موقعه من رضا المسؤول؟

وهنا تتجاوز المسألة مكافأة مُنحت أو حُجبت؛ فالمكافأة ليست مبلغًا ماليًا فحسب، بل رسالة مؤسسية عما تعتبره المؤسسة جديرًا بالتقدير. وما تكافئه المؤسسات اليوم، يتعلم الناس تكراره غدًا؛ حتى يصبح السلوك ثقافة، والثقافة تعريفًا غير مكتوب للنجاح.

والموظفون يقرأون هذه الرسائل بذكاء. فالثقافة الحقيقية للمؤسسة لا تسكن مواثيق القيم المعلّقة على الجدران بقدر ما تظهر في التفاصيل التي يعيشها الناس: من يُكافأ، ومن يُستبعد، ومن يستطيع أن يقول رأيه ويبقى حقه مصانًا، ومن يكتشف أن كلمة قالها في اجتماع قد يعود أثرها إليه لاحقًا في خانة لا تحمل اسمها.

وحين يكتشف الموظف أن جودة عمله وحدها لا تكفي لحماية استحقاقه، يبدأ في تعلّم قواعد أخرى لم تُكتب في أدلة العمل. يحسب كلفة الكلمة، ويزن اعتراضه، ويختبر المسافة الآمنة بين ما يفكر فيه وما يستطيع قوله. ومع الوقت قد يكتشف أن للصمت عائدًا، وللمجاملة منفعة، وأن قراءة مزاج المسؤول أحيانًا أكثر أمانًا من قراءة المشكلة.

وهنا يصبح الخلل أعمق من عدالة مكافأة؛ لأن المؤسسة تبدأ، من حيث لا تدري، بإعادة تشكيل الإنسان داخلها.
فالإنسان ابن البيئة التي يعمل فيها. وحين تصبح الصراحة مكلفة، يتعلم الاقتصاد فيها، وحين يكون للمبادرة ثمن شخصي، يعيد حساب جدواها، وحين يصبح الاقتراب من صاحب القرار أكثر نفعًا من الاقتراب من الحقيقة، تتحول طاقة كان يفترض أن تُستثمر في صناعة القيمة إلى طاقة تُستهلك في صناعة القبول.

ولا تقف التجربة عند صاحبها؛ فالآخرون يشاهدون ويتعلمون. يكفي أحيانًا أن يدفع صاحب رأي مستقل ثمن كلمته، حتى تتولى الذاكرة المؤسسية تعليم الباقين حدود الكلام.

عندها تقل الأسئلة، وتبرد المبادرات، وتتسع مساحة الموافقة. وقد يبدو المكان أكثر هدوءًا، فتُقرأ الطاعة انسجامًا، ويُفسَّر غياب الاعتراض نجاحًا في القيادة، بينما تكون المؤسسة قد بدأت تفقد أحد أثمن أصولها: الصوت المهني الذي يقول ما يحتاج العمل إلى سماعه، لا ما ترغب السلطة في سماعه.

فالهدوء ليس دائمًا علامة عافية؛ بعض المؤسسات تهدأ لأنها نضجت، وبعضها يهدأ لأن الناس تعلّموا أن للكلمة ثمنًا.

ومن هنا، تتجاوز عدالة تقييم الأداء حدود الموارد البشرية لتصبح قضية حوكمة للسلطة التقديرية في التقييم. فكلما ازداد أثر قرار المسؤول في حقوق الآخرين ومستقبلهم المهني، ازدادت الحاجة إلى ما يحفظ هذه السلطة من أن تتحول، ولو بصمت، من مساحة للحكم المهني إلى مساحة للحكم الشخصي.

فالمنصب يمنح صاحبه صلاحية التقييم، لكنه لا يمنحه تلقائيًا أهلية الإنصاف. وأهلية المقيِّم لا تُختبر مع الموظف الذي يوافقه ويجيد كسب رضاه، بل مع ذلك الذي يختلف معه ويبقى متميزًا.

أن تمنح من تحب حقه أمر يسير؛ أما أن تنصف من أزعجك رأيه، وأن تفصل بين أثره في نفسك وأثره في العمل، فتلك واحدة من أرقى اختبارات النضج القيادي.

وهذا لا يعني تجريد المسؤول من حكمه المهني؛ فالأرقام لا ترى كل شيء، والمؤشرات لا تلتقط دائمًا القيمة التي يصنعها الإنسان. لكن الفارق كبير بين تقدير مهني يستطيع أن يفسر نفسه بالشواهد ويقبل المراجعة، ومزاج شخصي يضطر الموظف معه إلى البحث عن تفسير تقييمه في علاقته بمن قيّمه، لا في قيمة ما أنجزه.

وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي: حين تصبح العدالة قابلة للرؤية؛ يعرف الموظف كيف وصل تقييمه إلى نتيجته، ويستطيع المسؤول أن يفسر قراره بلغة الأداء، وتوجد مراجعة ناضجة تحمي حق الموظف وتحمي، في الوقت ذاته، المسؤول العادل من شبهة الظلم.

فالأنظمة الناضجة لا تترك عدالتها رهينة عدالة الأشخاص، بل تبني من الضمانات ما يجعل عدل المؤسسة أكبر من مزاج أفرادها.

ولعل أخطر خسائر التقييم غير العادل لا تظهر في كشوف المكافآت أصلًا. قد تظهر لاحقًا في اجتماع صمت فيه من كان ينبغي أن يتكلم، وفي خلل رآه موظف فآثر السلامة، وفي فكرة عادت إلى صدر صاحبها، وفي متميز تعلّم أن يخفض وهج عطائه حتى يعبر دون كلفة.

وهنا يصبح السؤال أمام صانع القرار أبعد من: من استحق المكافأة؟

هل يستطيع الموظف أن يختلف مع مسؤوله، ثم يدخل امتحان التقييم مطمئنًا إلى أن رأيه بقي خارج الميزان؟

وهل صنعت المكافآت سباقًا نحو الإنجاز، أم فتحت إلى جوار طريق الجدارة طرقًا أقصر نحو الاستحقاق؟

ثم السؤال الذي يمس جوهر المؤسسة: أيّ إنسان نصنع بالطريقة التي نكافئ بها؟

إنسانًا يرفع سقف عطائه لأنه يثق أن للجدارة مكانًا؟

أم إنسانًا يخفض سقف صوته لأنه أدرك أن للاستقلال المهني ثمنًا؟

فالمكافأة تُدفع مرة وتنتهي، أما معناها فيبقى طويلًا في ذاكرة المؤسسة؛ يخبر الناس، بصمت، ما الذي يستحق أن يفعلوه مرة أخرى.

وهناك تحديدًا تُختبر عدالة الأنظمة؛ لا في متانة النص الذي بدأت منه، بل في الإنسان الذي خرج من نهايتها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :