لما توصل هيك .. بتصير قلة حيا
محمود الدباس - أبو الليث
28-08-2026 02:39 PM
في عادات كثيرة تغيرت مع الأيام.. وفي عادات أخرى فقدت معناها حتى أصبحت عكس ما أرادها أهلنا.. وهناك عادات دخيلة.. لكن أن تتحول الفرحة إلى عملية حسابية.. فهذا لم يعد عادة.. هذه قلة حيا.
حدثني صديق.. أنه ذهب إلى حفل زفاف نجل أحد أصدقائه.. وعند المدخل كان طابور السلام.. وفي نهايته الأب والعريس.. وبعدهما ثلاثة شباب.. واحد يمسك دفتراً يسجل النقوط.. واثنان يتعرفان على الضيف.. وفي مواجهتهم كاميرا لا تتحرك.. وكأن الداخل ليس مهنئاً.. وإنما متهم.. عليه أن يثبت حضوره أمام العدسة..
جلس صديقي على أحد المناسف.. وكان معه أربعة أشخاص.. أكلوا وغادروا..
بعد يومين التقى والد العريس.. فبارك له وقال له إن الطعام كان طيباً.. فإذا بالرجل يقول له.. شكراُ.. وبصراحة منسفكم جاب همه.. استغرب صديقي وسأله ماذا تقصد؟!.. فقال له.. أنتم الخمسة الذين كنتم على منسف واحد.. كلكم نقطتم.. يعني المنسف ما طلع خسران.. أما المنسف الذي بجانبكم.. واحد فقط نقط.. يعني خسرنا فيه..
تأملوا معي إلى أين وصلنا؟!..
لم يعد صاحب المناسبة يسأل.. من حضر وفرح معنا؟!.. بل صار يسأل.. كم دفع؟!.. ومن لم يدفع؟!.. وأي منسف غطى تكلفته.. وأي منسف خسرنا فيه؟!..
يا جماعة الخير.. منذ متى أصبح الضيف مشروعاً استثمارياً؟!..
إذا كنت تريد أن تعرف كم كلفك المنسف.. فهذه حسبة مطبخك.. وليست حسبة ضيوفك.. وإذا كنت تريد أن تسترد تكاليف حفلك من الناس.. فاعذروني.. هذه ليست وليمة.. هذا مطعم بلا قائمة أسعار..
والأدهى أن الواحد منا.. أصبح يعد للعشرة قبل تلبية الدعوة.. لا لأنه لا يريد مشاركة صاحبه فرحته.. وإنما لأنه يعرف أن عليه بالأساس أن يدفع ثمن حضوره.. ثم ثمن البنزين.. ثم ثمن وقته.. وربما يضطر أن يجامل في مناسبات لا تسمح ظروفه بها..
حدثني رجل وجيه ومرتاح مادياً.. أنه عندما يحاول أن يخفف مجاملاته في شهر واحد.. يدفع أكثر من 300 دينار نقوطاً.. عدا عن البنزين والوقت.. فكيف حال الموظف محدود الدخل؟!.. وكيف حال من راتبه بالكاد يكفي بيته؟!..
نحن لسنا ضد النقوط.. ولا ضد العادات.. ولا ضد الفرح.. نحن ضد أن تقتلوا روح العادة.. وأنتم تظنون أنكم تحافظون عليها..
النقوط كان محبة.. لا ضريبة دخول.. وكان سنداً وفزعة وتكافل.. لا استرداداً لقيمة المنسف.. وكان من القلب.. لا تحت عين الكاميرا ودفتر الحساب..
افرحوا.. وادعوا من تحبون.. وأقيموا حفلاتكم حتى في ستاد عمان الدولي.. وأكرموا ضيوفكم كما اعتدنا.. لكن أخرجوا جيوب الناس من حسابات فرحكم.. وليكن فرحنا تشريفاً دون تكليف..
صدقوني.. من أراد أن ينقط.. سينقط لو حلفت عليه الأيمان المغلظة.. وأهلاً وسهلاً به.. ومن لم ينقط.. فليظل أخاً وصديقاً وعزيزاً.. لا تجعلوا الإنسان يشعر أنه جاءكم ناقصاً.. لأنه لم يضع مبلغاً في أيديكم..
فالفرح الذي يحتاج إلى استرداد تكلفته من ضيوفه.. ليس فرحاً..
وإذا وصلنا إلى أن نحسب المنسف رابحاً.. أو خاسراً حسب عدد الذين نقطوا عليه.. فاسمحوا لي أن أقولها كما هي..
لما توصل هيك.. بتصير قلة حيا..