هزاع المجالي .. حين يصبح الاستشهاد ذاكرة وطن
فيصل تايه
29-08-2026 11:14 AM
في التاسع والعشرين من آب، لا يمرّ هذا التاريخ على الأردنيين كغيره من أيام السنة؛ ففيه تستعيد الذاكرة الوطنية واحدة من أكثر صفحات التاريخ الأردني ألمًا واعتزازًا، وتستحضر سيرة رجل دولةٍ ورمزٍ وطني خلد اسمه في وجدان الأردنيين، هو دولة الشهيد هزاع المجالي، الذي امتدت إليه يد الغدر في مثل هذا اليوم من عام 1960، فارتقى شهيدًا، وبقي حيًا في ذاكرة وطنه وسجل رجالاته الأوفياء.
لقد كان هزاع المجالي واحدًا من رجالات الأردن الذين أدركوا مبكرًا أن بناء الدولة لا يكون بالشعارات، وأن السيادة الوطنية ليست موقفًا عابرًا، بل مسؤولية تاريخية تتطلب شجاعة القرار، ووضوح الرؤية، والاستعداد لتحمل تبعات الموقف مهما بلغت كلفته.
ومن هنا، فإن استذكار الشهيد هزاع المجالي لا ينبغي أن يكون مجرد وقفة عند حادثة استشهاده، وإنما هو استحضار لمرحلة من تاريخ الأردن، واستعادة لسيرة رجل ترك بصمته في الحياة السياسية والوطنية، وقدم نموذجًا في المسؤولية والشجاعة والوفاء للوطن وثوابته.
لقد امتدت يد الغدر إلى جسده الطاهر في التاسع والعشرين من آب عام 1960، وهي تظن أنها قادرة باغتيال الرجل على إسكات صوته وإطفاء أثره، لكنها أخطأت في حساباتها؛ فالرجال الذين ترتبط أسماؤهم بقضايا الوطن لا يغيبون برحيلهم، وإنما تتحول مواقفهم إلى ذاكرة، وسيرتهم إلى دروس، وتضحياتهم إلى جزء من الوجدان الوطني.
ولعل أعظم ما بقي من هزاع المجالي ليس فقط اسمه في صفحات التاريخ، وإنما ذلك المعنى العميق الذي جسدته حياته ومواقفه: أن حب الوطن فعلٌ ومسؤولية، وأن الانتماء الحقيقي يظهر حين تكون المواقف صعبة، وحين يصبح الدفاع عن السيادة والثوابت الوطنية امتحانًا لا يحتمل التردد.
لقد كان الشهيد من صفوة الرجال الذين امتلكوا شجاعة الموقف، والإقدام في مواجهة التحديات، والإيمان بأن الأردن يستحق من أبنائه أن يصونوا استقلال قراره ويحافظوا على كرامته ومكانته. ولذلك ظل اسمه حاضرًا كلما استُحضرت سيرة رجالات الدولة الذين حملوا أمانة الوطن في مراحل دقيقة من تاريخه.
وفي ذكرى استشهاده، نستعيد كذلك سيرة رجالٍ آخرين من أبناء الأردن، حملوا مسؤولية البناء، وواجهوا الصعاب، ودفعوا من أعمارهم وأرواحهم ثمنًا لمواقفهم الوطنية. وهي سيرة تؤكد أن الدولة الأردنية لم تُبنَ بسهولة، وأن ما تحقق من أمن واستقرار ومنجزات كان وراءه رجال آمنوا بهذا الوطن، وعملوا من أجله، وضحوا في سبيله.
ولذلك فإن الوفاء لهؤلاء الرجال لا يكون بإحياء ذكراهم في المناسبات فحسب، ولا بكثرة الكلمات التي تقال في رحيلهم، وإنما بأن نجعل من سيرتهم منهجًا في العمل، ومن مواقفهم درسًا في المسؤولية، ومن تضحياتهم دافعًا لمواصلة مسيرة البناء.
فالأوطان لا تحفظها الذكريات وحدها، وإنما يحفظها أبناؤها حين يجعلون من حب الوطن سلوكًا، ومن الانتماء عملًا، ومن المسؤولية التزامًا، ومن الوحدة الوطنية حصنًا لا يُمس.
إن الأردن اليوم، وهو يمضي في معركة البناء والتحديث ومواجهة تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل، أحوج ما يكون إلى استلهام تلك القيم التي حملها رجالاته الأوائل؛ قيم الإخلاص والعمل والإباء، والقدرة على تجاوز الصعاب، والإيمان بأن الوطن أكبر من الأشخاص والمصالح الضيقة، وأن مستقبل الأجيال مسؤولية مشتركة لا تحتمل التهاون.
ومن هنا، تأتي ذكرى هزاع المجالي لتقول لنا إن التاريخ ليس مجرد أحداث مضت، وإنما مواقف ودروس وعبر. وأن الرجال الذين رحلوا وهم يحملون همّ الوطن تركوا لنا أمانةً لا تكتمل إلا بصون ما ضحوا من أجله، وبمواصلة الطريق نحو أردن أقوى وأكثر قدرة على صناعة مستقبله.
إننا حين نستذكر هزاع المجالي، نستذكر رجلًا لم يكن استشهاده نهايةً لمسيرته، بل بدايةً لمرحلة أخرى من حضوره في الذاكرة الوطنية. فهناك أسماء يطويها الزمن، وأسماء يرسخها الزمن، وهزاع المجالي من أولئك الذين بقيت أسماؤهم مرتبطة بمرحلة من تاريخ الأردن، وبمعنى الرجولة الوطنية التي لا تتردد حين يكون الوطن هو القضية.
وفي هذه الذكرى، نقف وقفة إجلال وإكبار أمام روح الشهيد، ونقرأ فاتحة الكتاب مترحمين على روحه الطاهرة، ومستذكرين مسيرته ومواقفه وما قدمه للوطن.
ونستذكر معه شهداء الأردن ورجالاته الذين مضوا إلى رحاب الله، وقد تركوا وراءهم سيرةً عطرةً ومواقف ستظل حاضرةً في ذاكرة الوطن.
رحم الله الشهيد دولة هزاع المجالي، ورحم الله شهداء الأردن جميعًا، وأمدّ أبناءه وذويه بطول العمر وموفور الصحة، وحفظ الله الأردن وطنًا عزيزًا آمنًا مستقرًا، وألهم أبناءه مواصلة مسيرة البناء والعطاء، وفاءً لكل من بذل وضحى من أجل أن يبقى الوطن شامخًا عزيزًا.
المجد والخلود لشهداء الأردن، وحفظ الله الوطن وأهله.
والله ولي الصابرين.