هل نظام المسارات متطلب لمستقبل أبنائنا .. أم أنه إملاءات خارجية؟! ..
محمود الدباس - أبو الليث
01-09-2026 04:11 PM
كنت قد كتبت قبل عدة أيام مقالاً.. انتقدت فيه ما نراه تخبطاً وتجريباً في أبنائنا الطلبة.. ومن خلال ما جاء من تعليقات ونقاشات حوله.. وجدت أن كثيراً من التساؤلات.. تستحق إجابة أوسع من مجرد نقد التجربة.. أو الدفاع عنها.. لذلك وجدت أن من الإنصاف.. أن نتوقف عند أصل فكرة المسارات.. وما الطريقة السليمة لتطبيقها.. حتى نعرف.. هل نحن أمام حاجة حقيقية فرضها تغير العالم وسوق العمل.. أم أمام نموذج يحتاج إلى إعادة نظر في طريقة بنائه وتطبيقه؟!..
وهنا أقول.. من حق الناس أن تسأل.. ومن واجبنا ككتاب في الشأن المحلي أن نسأل أكثر.. عندما يتعلق الأمر بتعليم أبنائنا ومستقبلهم..
فالتعليم ليس تجربة.. يمكن أن نكتشف بعد مدة أنها لم تنجح.. فنعود بأخذ عينة جديدة.. لأن ثمن الخطأ هنا.. يكون جيلاً كاملاً دفع من عمره ومستقبله ثمن قرار لم يُدرس جيداً..
ولهذا فإن الحديث عن نظام المسارات الذي بدأت وزارة التربية والتعليم تطبيقه.. يجب أن يكون حديثاً مهنياً عقلانياً.. بعيداً عن المواقف المسبقة.. فلا نقبله لأن الحكومة جاءت به.. ولا نرفضه لأن جهة دولية ربما ساهمت في تمويل برامج تطوير التعليم في الأردن..
نعم.. هناك برامج دولية قائمة لدعم تطوير قطاع التعليم والمهارات في الأردن.. ومنها برنامج MASAR المدعوم من البنك الدولي.. وهذا أمر معلن وليس سراً..
لكن السؤال الحقيقي ليس.. هل هناك جهة مانحة دعمت إصلاح التعليم؟!..
السؤال هو.. هل فكرة المسارات نفسها غريبة على العالم.. حتى نقول إنها إملاء فُرض علينا؟!..
الحقيقة تقول العكس تماماً..
العالم كله تقريباً يعيد النظر في شكل التعليم التقليدي.. لأن المدرسة التي كانت تخرج الطالب قبل ثلاثين عاماً.. لم تعد قادرة وحدها على إعداد طالب لعالم يتغير بهذه السرعة..
الذكاء الاصطناعي يغير المهن.. والتكنولوجيا تلغي وظائف وتستحدث أخرى.. وسوق العمل لم يعد يبحث فقط عن حامل شهادة.. بل عن إنسان يمتلك مهارة وقدرة على التفكير والتعلم والتكيف..
لهذا ظهرت في الدول المتقدمة نماذج متعددة للمسارات التعليمية.. تختلف في شكلها.. لكنها تلتقي في فلسفة واحدة..
ليس جميع الطلبة نسخة واحدة.. فلماذا نصر على تعليمهم بالطريقة نفسها؟!..
ألمانيا التي لا يمكن لأحد أن يتهمها بأنها تخضع لإملاءات تعليمية خارجية.. بنت منذ عقود منظومة واسعة للتعليم الأكاديمي والمهني والتقني.. وربطت جزءاً كبيراً من تعليمها المهني مباشرة بسوق العمل والشركات..
وسنغافورة.. الدولة التي أصبحت تجربتها التعليمية نموذجاً يدرس عالمياً.. لم تكتفِ بنظام المسارات التقليدي.. بل ذهبت أبعد من ذلك..
فبدلاً من وضع الطالب داخل صندوق كامل يحمل اسم مسار.. بدأت منذ تطبيق نظام Full Subject-Based Banding بإلغاء التصنيف التقليدي الجامد بين المسارات القديمة.. وأصبح الطالب يستطيع دراسة المواد بمستويات مختلفة.. وفق نقاط قوته واهتماماته وقدراته.. بل ويمكنه تعديل مستوى بعض المواد خلال رحلته التعليمية..
وهنا تكمن النقطة التي يجب أن نتوقف عندها..
العالم لا يتجه نحو حبس الطالب في مسار.. بل نحو اكتشاف قدراته.. وبناء مسار أكثر مرونة حولها..
وهذا هو الفارق بين أن نأخذ فكرة المسارات ونطبقها شكلياً.. وبين أن نفهم فلسفتها الحقيقية..
فالمشكلة ليست في أن نقول لطالب الصف العاشر.. اختر مسارك..
المشكلة هي..
هل قضينا السنوات التسع السابقة في مساعدته على معرفة نفسه.. حتى يصبح قادراً على الاختيار؟!..
هل يعرف الطالب قدراته الحقيقية؟!..
هل يعرف الفرق بين أن يحب مادة ما.. وبين أن يمتلك موهبة حقيقية فيها؟!..
هل خضع خلال سنواته الدراسية لاختبارات ميول وقدرات؟!..
هل شاهد بيئات العمل المرتبطة بما يريد أن يدرسه؟!..
وهل وجد مرشداً تربوياً.. يستطيع أن يساعده على قراءة قدراته؟!..
أم أننا نتركه يسير تسع سنوات في تعليم موحد.. ثم نقف أمامه في سن الخامسة عشرة ونقول له.. اختر مستقبلك؟!..
هنا برأيي تبدأ المشكلة الحقيقية..
أنا لا أعتقد أن تأسيس المسارات يجب أن يبدأ في الصف العاشر.. بل إن قرار المسار قد يكون في الصف العاشر.. أما اكتشاف المسار.. فيجب أن يبدأ منذ سنوات المدرسة الأولى..
يجب أن نكتشف الطفل الذي يميل إلى التحليل.. والذي يحب البناء والتصميم.. والذي يمتلك قدرة رقمية.. والذي لديه ذكاء لغوي.. والذي تظهر لديه مهارات قيادية.. أو عملية.. أو فنية.. أو طبية..
ليس بهدف تصنيف الأطفال مبكراً.. بل لمنحهم فرصاً مبكرة لاكتشاف أنفسهم..
وعندما يصل الطالب إلى المرحلة التي يختار فيها طريقه.. لا يكون أمام قرار مفاجئ.. بل أمام رحلة كاملة من المعرفة الذاتية..
فنقول له..
هذه قدراتك التي ظهرت خلال سنوات تعليمك..
هذه المجالات التي أظهرت فيها تفوقاً..
وهذه المهن التي يمكن أن تناسب ميولك..
والاختيار في النهاية لك..
هذا هو جوهر المسارات الحقيقي..
أما أن نغير أسماء المواد.. ونقسم الطلبة إلى حقول جديدة.. ثم نعتقد أننا أحدثنا ثورة تعليمية.. فهذا قد لا يكون أكثر من إعادة ترتيب للمقاعد داخل الصف نفسه..
والمسارات الناجحة.. لا تقوم على الكتب وحدها..
تحتاج إلى معلم مختلف في التفكير والتعاطي مع الطالب.. ومرشد مهني يفهم التعامل مع الطالب واكتشاف ميوله.. واختبارات قدرات.. ومختبرات.. ومشاريع عملية.. وشراكة مع الجامعات والقطاع الخاص.. والأهم من ذلك كله.. تحتاج إلى مرونة.. تسمح للطالب بتصحيح اختياره..
لأنه لا يعقل أن نطلب من فتى في الخامسة عشرة أن يتخذ قراراً.. ثم نجعل هذا القرار حكماً مؤبداً على مستقبله..
وهنا تحديداً يمكن أن نتعلم من سنغافورة..
ليس لأن علينا تقليدها.. بل لأن تجربتها نفسها تقول.. إن حتى أنظمة المسارات القديمة تحتاج باستمرار إلى مراجعة.. وأن الطالب لا يجب أن يُعرّف بمساره.. بل بقدراته..
ومن هنا أقول لمن يحاول اختزال القضية كلها بأنها إملاءات خارجية..
لا تجعلوا الخصومة السياسية تعميكم عن رؤية التحولات التي يعيشها العالم..
فهل ألمانيا عندما بنت نظامها المهني كانت تنفذ إملاءات؟!..
وهل سنغافورة عندما أعادت صياغة نظامها التعليمي الأكثر شهرة في العالم كانت تبحث عن رضا جهة مانحة؟!..
وهل التطور العلمي والتقني الذي يغير شكل الوظائف.. يحتاج إلى موافقة جهة خارجية حتى نعترف بوجوده؟!..
الأردن لم يخترع مشكلة البطالة بين الجامعيين.. ولم يخترع فجوة المهارات بين مخرجات التعليم وسوق العمل.. ولم يخترع الذكاء الاصطناعي الذي بدأ يعيد تشكيل عشرات المهن..
هذه حقائق فرضت نفسها على العالم كله..
لذلك فإن الحاجة إلى تطوير التعليم ليست إملاءً.. بل ضرورة..
لكن الضرورة لا تعني أن نطبق أي نموذج دون سؤال.
ولا يعني الدعم الدولي أن نسلم عقول أبنائنا لأي وصفة جاهزة.
الموقف العقلاني ليس أن نقول نعم لكل ما يأتي من الخارج.. ولا أن نقول لا لكل فكرة عالمية..
الموقف الصحيح هو أن نسأل..
هل هذا النموذج يناسب الأردن؟!..
هل بُني على قراءة حقيقية لاقتصادنا؟!..
هل يعرف احتياجات سوق العمل الأردني بعد عشر سنوات؟!..
هل مدارسنا جاهزة؟!..
هل معلمونا مؤهلون؟!..
وهل أعددنا الطالب للمسار قبل أن نطلب منه اختيار المسار؟!..
هنا يجب أن يكون النقاش..
أنا لا أكتب دفاعاً عن وزارة التربية والتعليم.. ولا عن الحكومة.. ولا أملك مصلحة في تجميل أي قرار رسمي.. وكما يقال رجلي بالفلقة..
بل على العكس.. أعتقد أن نجاح نظام المسارات يحتاج إلى نقد مهني مستمر.. لأن الخطأ في التطبيق قد يفسد حتى أفضل الأفكار..
لكنني أيضاً.. لا أرى من الحكمة أن نحارب فكرة.. فقط لأن البعض قرر أن يضع عليها ختم الإملاءات الخارجية..
ففكرة المسارات ليست مؤامرة.. كما أنها ليست عصا سحرية..
هي استجابة طبيعية لعالم لم يعد يقبل.. أن نُخرج جميع أبنائنا من قالب واحد.. ثم نلقي بهم في سوق يحتاج إلى عشرات القدرات المختلفة..
المطلوب منا ليس أن نسأل من أين جاءت الفكرة فقط..
بل أن نسأل.. كيف نجعلها فكرة أردنية تخدم أبناءنا؟!..
فالمسار الحقيقي.. لا يبدأ عندما يختار الطالب مادة في الصف العاشر..
المسار الحقيقي.. يبدأ عندما نبدأ منذ سنواته الأولى في اكتشاف الإنسان الذي بداخله..
وعندها فقط.. يصبح اختيار المسار خطوة في طريق يعرفه.. لا قفزة في مستقبل لا يعرف عنه شيئاً..
لكن نجاح هذا المشروع يتطلب.. أن لا تبقى صناعة نظام المسارات داخل وزارة التربية والتعليم وحدها.. بل أن نستعين بعقول أردنية وطنية مشهود لها بالكفاءة والخبرة.. من خارج الإطار الحكومي.. تضم تربويين اطلعوا على التجارب الدولية.. واقتصاديين يعرفون اتجاهات سوق العمل.. ومتخصصين في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والقيادة والتنمية البشرية.. بحيث يجتمع الجميع لصناعة نموذج أردني.. يستفيد من تجارب العالم دون أن يستنسخها.. ويستجيب لحاجات الأردن لا لوصفة جاهزة..
كما أن وجود هذه الكفاءات المستقلة نسبياً.. سيمنح المشروع مصداقية أكبر لدى الشارع.. ويجعله مشروعاً وطنياً.. تشارك في صياغته عقول متعددة.. لا قراراً حكومياً يطلب من الناس قبوله..
فالمطلوب ليس استيراد مسارات من الخارج.. وإنما استيراد المعرفة.. ثم صناعة المسار الأردني.. الذي ينسجم مع مستقبل أبنائنا وحاجات وطنهم.. وحتى السوق العربي والدولي..