وزارة التربية الجديدة وهندسة القرار من الداخل
فيصل تايه
03-09-2026 11:00 AM
بعد أن كتبت في المقالة السابقة عن إعادة تنظيم وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، بقيت لديّ مسألة أجدها أكثر أهمية من أسماء الإدارات وتوزيعها على الورق: كيف سيعمل هذا الهيكل عندما تبدأ الملفات بالحركة، ويصبح لكل ملف صاحب رأي وصاحب اختصاص وصاحب قرار؟
أطرح السؤال لأنني أعتقد أن أصعب ما في أي تنظيم إداري ليس رسمه، وإنما ضبط العلاقة بين أجزائه.
قد يبدو الهيكل واضحاً في الوثيقة الهيكلية التي اعتمدت ، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تتقاطع الملفات، وعندما يحتاج موضوع واحد إلى أكثر من جهة، وعندما يسأل مدير أو موظف ببساطة: إلى من أعود؟ ومن يملك الكلمة الأخيرة؟
النظام الإداري الجديد قسم العمل المركزي في الوزارة على عشر إدارات عامة، ووزعها على ثلاثة أمناء عامين وفق مسارات واضحة: التخطيط والدعم المؤسسي، وشؤون المدارس، والتعليم. وأنا أقرأ هذا التوزيع باعتباره محاولة لوضع كل مجموعة من الأعمال المتقاربة في مسار واحد، حتى لا تبقى الملفات موزعة بين وحدات متجاورة في الاسم، متباعدة في المسؤولية.
لكن المسألة تصبح أكثر دقة عندما نصل إلى مديريات التربية والتعليم. فالنظام يربط المديريات بالأمناء العامين الثلاثة بحسب طبيعة العمل واختصاصه. وهذا، في تقديري، ترتيب يحتاج إلى فهم دقيق حتى لا يتحول الارتباط التخصصي إلى تعدد في الرئاسة.
فالمديرية يمكن أن تتعامل مع أكثر من مرجعية فنية، لكنها لا تحتمل أكثر من مركز قرار إداري.
وهذه واحدة من أهم النقاط التي ينبغي حسمها منذ البداية. فالمرجعية الفنية شيء، والمرجعية الإدارية شيء آخر، والتنسيق بين الجهات شيء ثالث. قد تحتاج المديرية إلى رأي إدارة متخصصة في موضوع، وإلى تنسيق مع إدارة أخرى في موضوع مختلف، خاصة في الملفات الاستراتيجية المتسارعة مثل التحول الرقمي وتحديث التعليم المهني والتقني، لكن هذا كله يجب أن يجري داخل مسار معروف لا يترك المسؤول في الميدان أمام توجيهات متباينة.
وهنا أصل إلى ما أراه الحلقة الأهم في نجاح التنظيم الجديد: التعليمات والأنظمة التي ستترجم الهيكل من نص مكتوب إلى ممارسة يومية في الميدان.
فالنظام يضع الإطار العام، لكنه لا يستطيع وحده أن يجيب عن كل الأسئلة التي تظهر أثناء العمل. أما التعليمات، فهي التي ينبغي أن تحدد مسار الملف، وحدود الاختصاص، وآلية التنسيق، ومستوى التفويض، والجهة التي تبدي الرأي، والجهة التي تملك القرار، وكيفية التعامل مع الحالات التي تتداخل فيها الاختصاصات.
ولهذا، فإن نجاح التعليمات لا يقاس فقط بسلامة صياغتها القانونية أو الإدارية، وإنما بقدرة الميدان على فهمها وتطبيقها.
المدير في المدرسة، ورئيس القسم في المديرية، والموظف الذي يتعامل مع الملف يومياً، لا ينبغي أن يحتاج إلى سلسلة طويلة من الاتصالات حتى يعرف ماذا يفعل، ولا أن يضطر إلى تفسير النص كل مرة بطريقة مختلفة. المطلوب أن تصل التعليمات إلى الميدان بصورة واضحة، وأن يعرف من خلالها كل مستوى إداري: ماذا يفعل؟ ومتى يقرر؟ ومتى ينسق؟ ومتى يرفع الموضوع؟
وبمعنى آخر، فإن التعليمات الجيدة هي التي تمنع الاجتهاد عندما لا يكون الاجتهاد مطلوباً، وتفتح المجال له عندما يكون ضرورياً.
ومن هنا أرى أن إعداد التعليمات التنفيذية ينبغي ألا يكون عملاً مكتبياً منفصلاً عن الواقع. بل يجب أن تُختبر قبل اعتمادها على الأسئلة التي سيواجهها الميدان فعلياً: ماذا يحدث عندما يتداخل اختصاص إدارتين؟ من يبدأ الإجراء؟ من يطلب المعلومة؟ من يوافق؟ إلى من يرفع الموضوع؟ وما المدة والمسار المتوقعان لإنجازه؟
إذا لم تجب التعليمات عن هذه الأسئلة بوضوح، فإن جزءاً من التعقيد الذي يفترض أن يعالجه الهيكل سينتقل ببساطة من الرسم التنظيمي إلى الممارسة اليومية.
أقول ذلك لأنني أرى أن نجاح الهيكل الجديد سيتوقف بدرجة كبيرة على هذه التفاصيل التنفيذية التي لا تظهر في الرسم التنظيمي. من يملك الملف؟ من يبدي الرأي؟ من ينسق؟ ومن يقرر؟ إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة، سارت الأعمال بسلاسة. وإذا بقيت معلقة، فإن أفضل الهياكل يمكن أن ينتج تعقيداً جديداً.
وهذا يقودني إلى الوحدات المرتبطة بالوزير مباشرة. وجود وحدات للمشاريع والمتابعة، والإعلام والاتصال، والرقابة الداخلية، إلى جانب مكتب الوزير والأمانات، يوفر للوزير أدوات قريبة تساعده في المتابعة والحصول على المعلومة وقراءة الملفات من زوايا مختلفة. لكنني أعتقد أن قوتها الحقيقية تكمن في أن تبقى أدوات مساندة لمركز القرار، لا مراكز قرار بديلة.
فكلما تعددت قنوات التوجيه داخل الوزارة، أصبح من الصعب على الإدارة والميدان أن يعرفا أي طريق يسلكان.
أما لجنة التخطيط والتنسيق والمتابعة، فأراها من الأدوات المهمة في هذا البناء، ليس لأنها لجنة أخرى تضاف إلى اللجان، وإنما لأنها يمكن أن تكون المساحة التي تلتقي فيها الإدارات عندما يتجاوز الملف حدود اختصاص إدارة واحدة.
فالخطط والبرامج والتشريعات والموازنة والتغييرات التنظيمية، بطبيعتها، لا تعيش داخل صندوق واحد؛ ولذلك فإن التنسيق المبكر بينها أفضل كثيراً من معالجة التعارض بعد وقوعه.
لكن حتى هذا الدور يحتاج إلى أن يكون واضحاً في التعليمات: متى يحال الملف إلى اللجنة؟ وما طبيعة دورها؟ وهل تقدم توصية أم تملك صلاحية حسم؟ ومن ثم، أين ينتهي دورها ويبدأ دور صاحب القرار؟
وهنا تحديداً تظهر أهمية الربط بين النظام والتعليمات والممارسة. فالنظام يحدد البناء، والتعليمات تنظم الحركة داخله، والميدان هو المكان الذي يختبر الاثنين معاً.
ولذلك فإنني لا أرى اكتمال التنظيم عند استقرار المسميات وشغل المواقع. الاكتمال الحقيقي يبدأ عندما يعرف كل مستوى إداري حدوده دون اجتهاد، ويعرف متى يقرر ومتى ينسق ومتى يرفع الموضوع، وعندما تصل هذه المعرفة إلى الميدان بصورة واضحة ومتسقة.
تعدد الاختصاصات يمكن أن يكون مصدر قوة، لكن تعدد القرار مصدر ارتباك.
ومن هذه الزاوية، فإن "هندسة القرار" التي أتحدث عنها ليست مصطلحاً إدارياً معقداً. هي ببساطة أن يصل الملف إلى صاحبه الصحيح، وأن تصل إليه المعلومة في الوقت المناسب، وأن يعرف من حوله حدود أدوارهم، وأن تكون التعليمات واضحة لمن ينفذها، ثم يصدر القرار من المكان الذي يملك مسؤوليته.
وهذا هو ما سأبحثه في تفاصيل الإدارات العامة والوحدات في قراءة لاحقة؛ ليس ماذا تسمى، فهذا معروف، وإنما ماذا ينبغي أن تفعل، وما الذي تنتجه، وكيف تتعامل مع الإدارات الأخرى من دون أن يسحب أحدها اختصاص الآخر.
في النهاية، أعتقد أن الوزارة الجديدة أمام فرصة حقيقية لبناء طريقة مختلفة في العمل الإداري. والفرصة هنا لا يصنعها شكل الهيكل وحده، بل الطريقة التي ستتحرك بها الملفات داخله، والطريقة التي ستفهم بها التعليمات في الميدان وتتحول بها من نصوص إلى إجراءات واضحة.
فالهيكل الجيد لا يكثر من الأسئلة حول المرجعية، والتعليمات الجيدة لا تترك الميدان يبحث عن تفسيرها؛ بل يجعل كل منهما الإجابة واضحة قبل أن يبدأ العمل.