التعداد السكاني بين الضرورة والواجب الوطني
م. أكرم خريسات
04-09-2026 01:27 PM
هل نعرف الأردن الذي نخطط لمستقبله؟
في كل دولة، هناك أرقام كثيرة تُنشر يومياً، لكن هناك رقماً واحداً لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد رقم؛ إنه عدد السكان.
فخلف كل رقم إنسان، وخلف كل إنسان أسرة، وخلف كل أسرة احتياجات وطموحات وتحديات، وخلف ملايين السكان دولة مطالبة بأن تخطط وتوفر التعليم والصحة والسكن والنقل والمياه والطاقة وفرص العمل والخدمات، وأن تفعل ذلك بعدالة وكفاءة.
ومن هنا، فإن التعداد السكاني والمساكن ليس مناسبة إحصائية عابرة، ولا عملية بيروقراطية هدفها تسجيل عدد السكان فقط، وإنما هو مشروع وطني بامتياز، تتوقف على نتائجه جوانب أساسية من عملية التخطيط وصناعة القرار في الدولة.
وفي الأردن، تبدو أهمية هذا الموضوع أكثر إلحاحاً في ظل التحولات الديموغرافية والعمرانية والاقتصادية التي شهدتها المملكة خلال السنوات الماضية.
فآخر تعداد عام للسكان والمساكن أُجري عام 2015، وأظهر أن عدد سكان المملكة بلغ نحو 9.5 مليون نسمة. ومنذ ذلك الوقت، تغيرت الكثير من المعطيات السكانية والاقتصادية والعمرانية، وتوسعت المدن، وتبدلت أنماط السكن والعمل والتنقل، وأصبحت التكنولوجيا والبيانات جزءاً أساسياً من عملية إدارة المدن والخدمات.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي:
كيف يمكن أن نخطط للأردن في السنوات المقبلة اعتماداً على صورة سكانية مضى على جمع بياناتها أكثر من عقد؟
التعداد ليس مجرد عدّ للسكان
قد يعتقد البعض أن مهمة التعداد تنحصر في معرفة عدد سكان المملكة.
لكن التعداد الحديث أبعد بكثير من ذلك.
فهو يحاول الإجابة عن أسئلة جوهرية تتعلق بالمجتمع: أين يعيش السكان؟ ما أعمارهم؟ ما حجم الأسر؟ ما مستويات التعليم؟ ما خصائص المساكن؟ أين تتركز الكثافات السكانية؟ ما المناطق التي تشهد نمواً سريعاً؟ وأين تزداد الحاجة إلى المدارس والمراكز الصحية والطرق والنقل والخدمات العامة؟
وهذه المعلومات ليست ترفاً إحصائياً.
إنها البنية الأساسية للتخطيط الوطني.
فالقرار الذي لا يستند إلى بيانات دقيقة قد يكون صحيحاً من الناحية النظرية، لكنه قد يكون بعيداً عن الواقع عندما يتعلق الأمر بالمكان والإنسان.
الأردن يتغير... والبيانات يجب أن تتغير معه
الأردن اليوم ليس هو الأردن الذي كان عليه عام 2015.
شهدت المملكة خلال السنوات الماضية تغيرات في التركيبة السكانية، وأنماط الهجرة، والتوزيع الجغرافي للسكان، والتوسع العمراني، كما تغيرت طبيعة سوق العمل واحتياجات المدن والمجتمعات المحلية.
وفي الوقت نفسه، برزت تحديات جديدة لم تكن حاضرة بالدرجة نفسها في النقاش العام قبل عقد من الزمن، مثل التغير المناخي، والضغط على الموارد المائية، والازدحام المروري، والحاجة إلى تطوير النقل العام، والتحول الرقمي، والمدن الذكية، والمرونة الحضرية.
كل ذلك يجعل تحديث الصورة السكانية أمراً بالغ الأهمية.
فلا يمكن أن نعرف إلى أين تتجه مدننا إذا لم نعرف أولاً كيف تغيرت.
من الرمثا إلى العقبة... احتياجات مختلفة
الأردن ليس كتلة سكانية واحدة.
فلكل محافظة ومدينة وتجمع سكاني خصائصه واحتياجاته.
عمان لها تحدياتها المرتبطة بالتوسع الحضري والكثافة السكانية والنقل والازدحام وتوزيع الخدمات.
والزرقاء لها طبيعتها الصناعية والسكانية الخاصة.
وإربد لها خصوصيتها المرتبطة بالنمو السكاني والجامعات والأنشطة الاقتصادية.
أما العقبة، فتفرض عليها خصوصيتها السياحية والاقتصادية والجغرافية نمطاً مختلفاً من التخطيط.
وفي المحافظات الأخرى، تختلف التحديات بين المناطق الريفية والحضرية، وبين التجمعات التي تشهد نمواً سكانياً وتلك التي تعاني من الهجرة الداخلية أو محدودية فرص العمل.
لذلك فإن التخطيط الذي يعتمد على متوسط وطني واحد قد يخفي فروقاً كبيرة بين منطقة وأخرى.
والتعداد الجيد هو الذي يكشف هذه الفروقات ويجعلها مرئية أمام صانع القرار.
المواطن هو المستفيد الأول
عندما نتحدث عن التعداد، يجب ألا ننظر إليه باعتباره مشروعاً حكومياً فقط.
المواطن هو المستفيد الأول من البيانات التي ينتجها.
فعندما تعرف الدولة بدقة أين يتركز السكان، تستطيع أن تحدد بصورة أفضل أين تحتاج إلى مدرسة جديدة.
وعندما تعرف توزيع كبار السن، يمكنها التخطيط للخدمات الصحية والاجتماعية.
وعندما تعرف اتجاهات النمو العمراني، تستطيع تطوير شبكات الطرق والنقل والمياه والصرف الصحي.
وعندما تعرف خصائص القوى العاملة والتعليم، يمكنها توجيه سياسات التشغيل والتدريب.
بمعنى آخر، فإن المعلومات التي يقدمها المواطن اليوم يمكن أن تتحول غداً إلى مدرسة أو مستشفى أو طريق أو خدمة أو مشروع تنموي في المنطقة التي يعيش فيها.
وهنا تتضح العلاقة المباشرة بين التعداد وحياة الناس اليومية.
التعداد والعدالة في توزيع التنمية
من أهم الأدوار التي يمكن أن يؤديها التعداد أنه يساعد في تحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الموارد.
فالعدالة لا تعني توزيع الموارد بالتساوي بين الجميع بالضرورة، وإنما توزيعها وفق الحاجة.
وقد تكون منطقة ما بحاجة إلى مدرسة أكثر من منطقة أخرى، أو تحتاج إلى مركز صحي، أو طريق، أو شبكة نقل عام، أو تحسين للبنية التحتية.
لكن كيف نحدد هذه الأولويات؟
الإجابة تبدأ بالبيانات.
ومن دون بيانات حديثة ومفصلة مكانياً، يصبح من الصعب قياس حجم الاحتياج الحقيقي، وقد تعتمد بعض القرارات على تقديرات أو بيانات مجمعة لا تعكس التفاصيل الدقيقة على مستوى الأحياء والتجمعات.
ولهذا فإن التعداد يمثل إحدى الأدوات المهمة في تحقيق عدالة مكانية وتنموية بين مناطق المملكة.
التعداد في عصر المدن الذكية
لقد تغير مفهوم التعداد نفسه.
في الماضي، كان التعداد يعتمد بدرجة كبيرة على العمل الميداني الورقي وجمع المعلومات يدوياً.
أما اليوم، فنحن أمام عالم مختلف تماماً.
نظم المعلومات الجغرافية، وقواعد البيانات الرقمية، والسجلات الإدارية، والربط الإلكتروني بين المؤسسات، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، كلها أدوات يمكن أن ترفع كفاءة العمل الإحصائي وتجعله أكثر دقة وسرعة.
والأردن يمتلك تجربة مهمة في هذا المجال، إذ استخدم في تعداد 2015 أنظمة إلكترونية في تنفيذ عملية التعداد، في خطوة شكلت تطوراً مهماً في العمل الإحصائي الأردني.
والتحدي الآن هو البناء على هذه التجربة والانتقال إلى مستوى أكثر تقدماً.
فبدلاً من النظر إلى التعداد باعتباره عملية تحدث كل فترة زمنية محددة، يمكن تطوير منظومة وطنية متكاملة للبيانات السكانية والمكانية يتم تحديثها بصورة مستمرة، وتتكامل فيها نتائج التعداد مع السجلات الإدارية والمسوح والدراسات ونظم المعلومات الجغرافية.
وهذا هو الاتجاه الذي تحتاجه دولة تريد أن تبني سياساتها على المعرفة.
البيانات ليست ملكاً لمؤسسة... بل أداة وطنية
من المهم كذلك أن ندرك أن قيمة التعداد لا تنتهي عند إعلان نتائجه.
فالقيمة الحقيقية تبدأ بعد ذلك.
فالجامعات والباحثون يحتاجون البيانات لإجراء الدراسات.
والقطاع الخاص يحتاجها لاتخاذ قرارات الاستثمار.
والبلديات وأمانات المدن تحتاجها للتخطيط للخدمات.
والحكومة تحتاجها لصياغة السياسات.
والمؤسسات الدولية تحتاجها لفهم المؤشرات التنموية في الأردن.
ومن هنا، فإن الاستثمار في التعداد هو في الحقيقة استثمار في البنية التحتية للمعرفة الوطنية.
الثقة أساس نجاح التعداد
لكن نجاح أي تعداد لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها.
هناك عنصر أكثر أهمية: ثقة المواطن.
المواطن الذي يفتح بابه أمام الباحث ويقدم معلوماته يجب أن يكون مطمئناً إلى أن بياناته ستتعامل معها الجهات المختصة وفق الأطر القانونية، وأن الهدف منها هو الإحصاء والتخطيط وخدمة الصالح العام.
كما يجب أن تكون الرسالة الإعلامية واضحة وبسيطة: لماذا نحتاج هذه المعلومات؟ كيف ستستخدم؟ وما الفائدة التي ستعود على المجتمع؟
كلما زادت ثقة المواطن، ارتفعت جودة البيانات.
وكلما ارتفعت جودة البيانات، ارتفعت جودة التخطيط.
التعداد... واجب وطني
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
إذا كانت الدولة مطالبة بأن تخطط للمستقبل، فإن المواطن شريك في توفير المعلومات التي تجعل هذا التخطيط ممكناً.
لذلك فإن المشاركة في التعداد ليست مجرد استجابة لطلب موظف أو باحث ميداني.
إنها ممارسة للمواطنة والمسؤولية الوطنية.
عندما يقدم المواطن معلومات صحيحة، فهو لا يقدمها للحكومة فقط، وإنما يقدمها لمدينته ولقريته ولمحافظته ولأطفاله وللأجيال القادمة.
فهو يقول، بصورة غير مباشرة:
"هذه هي حقيقتنا... وهذه هي احتياجاتنا... وخططوا لنا على أساس الواقع."
وهذه مسؤولية مشتركة بين المواطن والدولة.
لا يمكن بناء المستقبل ببيانات الماضي
الأردن يقف اليوم أمام مرحلة تتطلب قرارات صعبة ودقيقة.
الموارد محدودة، والاحتياجات متزايدة، والمدن تتوسع، والتحديات المناخية تتصاعد، والطلب على الخدمات يتغير، والتكنولوجيا تعيد تشكيل الاقتصاد والحياة اليومية.
في مثل هذه الظروف، تصبح البيانات الدقيقة ضرورة لا خياراً.
فلا يمكن بناء مدينة ذكية من دون معرفة سكانها.
ولا يمكن بناء نقل عام فعال من دون معرفة حركة السكان وتوزيعهم.
ولا يمكن التخطيط للخدمات الصحية والتعليمية من دون معرفة التركيبة العمرية والجغرافية للمجتمع.
ولا يمكن تحقيق أهداف التنمية المستدامة من دون مؤشرات وبيانات حديثة تقيس التقدم والفجوات.
ولهذا، فإن التعداد السكاني يجب أن يكون جزءاً من مشروع أكبر عنوانه:
"الأردن الذي يعرف نفسه... يستطيع أن يخطط لمستقبله."
كلمة أخيرة
التعداد في جوهره ليس أرقاماً وجداول.
إنه صورة للأردن كما هو.
صورة لسكانه ومدنه وقراه وأسره وشبابه وأطفاله وكبار السن فيه، ولطريقة توزعهم واحتياجاتهم وظروفهم.
وكلما كانت هذه الصورة أكثر دقة، كان القرار أكثر عدالة، وكانت التنمية أكثر كفاءة.
لذلك فإن السؤال ليس ما إذا كان التعداد ضرورة.
الضرورة محسومة.
السؤال هو: هل سننظر إليه كإجراء إحصائي روتيني، أم سنحول نتائجه إلى أساس لإعادة رسم أولويات التنمية في الأردن؟
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في أن نعرف كم يبلغ عدد الأردنيين والسكان المقيمين في المملكة فحسب، بل أن نعرف أين يعيشون، وكيف يعيشون، وما الذي يحتاجونه، وإلى أين يتجه الأردن ديموغرافياً وعمرانياً واقتصادياً.
وعندما يشارك المواطن في التعداد، فإنه لا يعطي رقماً فقط.
إنه يضع لبنة في بناء مدرسة، وطريق، ومستشفى، وشبكة نقل، وخدمة أفضل، ومدينة أكثر كفاءة، ومستقبل أكثر استدامة.
فالتعداد ليس عدّاً للسكان... إنه عدٌّ لاحتياجات الوطن وفرصه وتحدياته.
ومن هنا، يصبح التعداد في آن واحد:
ضرورة للتخطيط... وحقاً للمواطن... وواجباً وطنياً.