هناك تفاصيل صغيرة لا تُكتب في القوانين.. ولا تُدرس في المدارس.. ولكنها كانت جزءاً من تربيتنا.. ومٰن يعرف الأصول.. لا يحتاج لمن يذكّره بها..
كنا نعرف أن الضيف يُقدَّم.. وأن الكبير يُحترم.. وأن صاحب المناسبة يبقى واقفاً حتى يطمئن أن ضيوفه قد جلسوا..
في الجاهات والأفراح.. كان الغريب قبل القريب.. والقريب قبل صاحب المناسبة.. لأن الناس لم تكن تعتبر الكراسي ملكية خاصة تورثها أصحاب المناسبة..
أما اليوم.. فتدخل أحياناً -ولا أعمم- إلى مناسبة.. لتجد أهل المناسبة قد سبقوا الجميع.. واحتلوا المقاعد الأولى وأحيانا الاخيرة أيضاً.. وكأنهم ضيوف على أنفسهم.. بينما يبقى المدعو واقفاً.. يبحث عن مكان يضع فيه جسده.. وربما كرامته أيضاً..
وفي بيوت العزاء.. كان القادم من خارج العشيرة.. أو القرية.. وحتى المدينة.. يُفسح له المجال أولاً.. فهو جاء ليؤدي واجباً.. أما أقارب الفقيد فهم أصحاب البيت..
لكننا أصبحنا نرى من أقارب المتوفى مَن يزاحم المعزين على باب بيت العزاء.. وكأن الدخول بالأول شهادة بطولة.. أو لقب وجاهة..
يا ناس.. صاحب المناسبة لا يُكرم بأن يجلس في المقدمة.. بل بأن يُكرم ضيفه..
وأقارب الميت لا يثبتون محبتهم للفقيد بمزاحمة المعزين.. بل بحسن استقبالهم..
هي ليست قضية كرسي.. ولا أولوية دخول..
هي قضية تربية واحترام..
فحين يصبح صاحب الدعوة أول مَن يجلس.. والضيف آخر مَن يجد مكاناً.. اعرفوا أن شيئاً أكبر من الكراسي قد فُقد..
صدقوني..
مش هيك تربينا..