facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الاغتراب الوطني: أحزاب تعيش في الأردن وعقولها خارج الحدود


الدكتور عزمي حجرات
10-09-2026 10:00 AM

في الوقت الذي تضع فيه الدولة الأردنية ثقلها لتأسيس مرحلة جديدة من التحديث السياسي، يصطدم هذا الطموح الوطني بواقع حزبي يعاني في أجزاء واسعة منه من أزمة هوية عميقة، أزمة يمكن تشخيصها بوضوح تحت مسمى "الاغتراب الوطني". إننا نقف أمام حالة سياسية فريدة ومقلقة في آن واحد، حيث تعيش بعض التيارات الحزبية وتتفيأ بظلال الاستقرار الأردني، بينما تحلق عقولها وأدبياتها ومرجعياتها في فضاءات أيديولوجية عابرة للحدود، لتنتج لنا خطاباً سياسياً منفصلاً تماماً عن واقع الدولة، وتاريخها، وتعقيداتها الجيوسياسية.

تتجلى أولى وأخطر علامات هذا الاغتراب في افتقار هذه النخب الحزبية للمعرفة الحقيقية والمنصفة بتاريخ الأردن العسكري والسياسي. بدلاً من الاستناد إلى الفخر الوطني ببطولات الجيش العربي في استبسال باب الواد واللطرون وصمود الكرامة، تتبنى هذه التيارات سرديات إقليمية مستوردة صُممت في الأصل لشيطنة الأردن. وفي مفارقة عجيبة، يتم إسقاط هذه السرديات المشوهة لمحاكمة الدولة بأثر رجعي، وتحميلها وزر إخفاقات وهزائم كانت فيها العواصم الأخرى تكتفي برفع الشعارات عبر أثير الإذاعات، بينما كان الأردن يدفع ضريبة الدم وموجات اللجوء المتتالية التي استنزفت موارده المحدودة. يتجاهل هذا الخطاب الطوباوي أن السياسة الأردنية، منذ التأسيس، قامت على براغماتية حادة وقدرة استثنائية على المناورة لحماية بقاء الدولة وسط إقليم يغلي بالانقلابات والمغامرات غير المحسوبة.

هذا الجهل بالتاريخ والواقع الديموغرافي والاقتصادي يقود حتماً إلى فخ الشعبوية والمزاودات. فصياغة برامج حقيقية لمعالجة أزمات المياه، والمديونية، والنقل العام تتطلب عقولاً خبيرة ومصارحة قاسية للشارع قد لا تجلب التصفيق الفوري. لذا، تستسهل هذه الأحزاب الهروب نحو الاستثمار العاطفي في القضايا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. لا تُطرح هذه القضايا العادلة بهدف تقديم حلول أو دعم حقيقي، بل تُختطف لتُستخدم كرافعات انتخابية وأدوات لاستعطاف الجماهير، يرافقها دائماً توجيه تهم "الخيانة والتفريط" لمؤسسات الدولة التي تتصرف بمسؤولية وواقعية تحمي العاصمة التي تنطلق منها تلك الحناجر.

ومع غياب الرؤية والبرنامج، تتحول الممارسة الحزبية إلى حالة من "المعارضة العدمية". يتخلى الحزب عن دوره الدستوري كحكومة ظل تدرس الأزمات وتطرح البدائل، ليتحول إلى مجرد ظاهرة صوتية تجلس في المدرجات وتكتفي برجم الملعب. يصبح رفض كل قرار حكومي، حتى وإن كان صائباً، واجباً حزبياً لإثبات الوجود، وتتحول المنابر إلى منصات لاغتيال الشخصية وإطلاق الاتهامات المرسلة بالفساد والتقصير دون تقديم ورقة عمل واحدة أو دليل يثبت الادعاء. تعتقد هذه التيارات أن رصيدها الشعبي لا يرتفع إلا على أنقاض رصيد الحكومة، متناسية أن هذا النهج العدمي لا يضر حكومة بعينها، بل يضرب ثقة المواطن بمؤسسات دولته ويفقده الأمل في أي مسار إصلاحي.

الأردن اليوم، وهو يعبر نحو مئويته الثانية، لا يمتلك ترف تضييع الوقت في معارك استعراضية طاحنة. الشارع الأردني والشباب المتعطش للمشاركة السياسية بحاجة ماسة إلى أحزاب تشبه هذا التراب، تنطلق من هموم المحافظات، وتقرأ تاريخ بلدها بعين الإنصاف لا بعين الأيديولوجيا المستوردة. المعارضة الوطنية البناءة هي الرئة التي تتنفس بها الدول الديمقراطية لتقويم الأخطاء وحماية المقدرات، أما المعارضة التي تقتات على تخوين دولتها وتستثمر في عواطف شعبها دون تقديم بديل حقيقي، فهي مجرد عبء سياسي لا يبني وطناً ولا يحمي قضية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :