الجاهزية للتغيير: هل نحن مستعدون
د. كفاية عبدالله
11-09-2026 06:18 PM
الصندوق الأسود (34)
ليس أصعب على المؤسسة من أن تطلب من الناس أن يتغيروا، وهي لم تغيّر ما في نفسها والبيئة التي اعتاد الناس العمل فيها.
فالتغيير الذي يبدو واضحًا على الورق يصبح أكثر تعقيدًا عندما يلامس تفاصيل العمل؛ حيث تتداخل العادات مع الصلاحيات، والخبرة مع الخوف من الخطأ، والقرارات الجديدة مع أنظمة قديمة لم تتغير بالسرعة نفسها. عندها قد يتباطأ التنفيذ، وتظهر التحفظات، وتعود بعض الممارسات الماضية من الأبواب الخلفية، فيسارع البعض إلى وصف المشهد بأنه مقاومة للتغيير.
لكن الصورة قد تكون أعمق من ذلك. فليس كل من تردد أمام التغيير رافضًا له، كما أن كل من أبدى حماسه له ليس بالضرورة مستعدًا لتنفيذه. وبين القبول الظاهري والجاهزية الحقيقية مسافة لا تكشفها الشعارات، وإنما تكشفها الممارسة.
قد يكون العاملون قد أدركوا أن الطريقة القديمة لم تعد صالحة، واقتنعوا بالحاجة إلى تحسينها، لكنهم لا يرون الطريق واضحًا أمامهم. وربما يحمل بعضهم ذاكرة مبادرات سابقة بدأت بحماس ثم تراجعت عندما تغيرت الأولويات، أو خبرة مع حلول جيدة لم تجد في بيئة العمل ما يكفي لتنجح.
وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية من مجرد: هل الناس مستعدون للتغيير؟
هل هيأت المؤسسة نفسها لكي ينجح التغيير الذي تطلبه منهم؟
فقد يكون الفرق بين "عدم الرغبة" و"عدم القدرة" هو الفرق بين مشروع يمكن إنقاذه وآخر يجري تحميل الموظفين مسؤولية تعثره. فالإنسان قد يؤمن بأن الطريقة القديمة لم تعد مناسبة، لكنه يجد أمامه نظامًا لا يتغير، وصلاحيات لا تفوض، وأولويات متراكمة، وحوافز لا تعكس دائمًا ما تطلبه المؤسسة من أداء، وقرارات تتردد بين أكثر من اتجاه. عندها لا يكون الحذر بالضرورة رفضًا للفكرة؛ أحيانًا يكون خبرة تعلمها الإنسان من المؤسسة نفسها.
الجاهزية، إذن، تبدأ من أبعد من لحظة إعلان المشروع. إنها أن يفهم الإنسان لماذا يجب أن يتغير، وأن يرى معنى هذا التغيير في عمله، وأن يثق بأن المؤسسة جادة في الوصول إليه، وأن يجد الشروط التي تمكنه من ممارسته. فالاقتناع وحده لا يكفي.
قد يشعر الموظف أن الخدمة تحتاج إلى إعادة تصميم، لكنه لا يعرف ما الذي سيحدث لدوره بعدها. وقد يقتنع بأهمية التحول الرقمي، ثم يكتشف أن النظام الجديد لا يمنحه الصلاحية التي يحتاجها. وقد يحصل على التدريب، ثم يعود إلى بيئة عمل تكافئ السلوك القديم. عندها تصبح الفكرة صحيحة، لكن البيئة غير مستعدة لها.
ولعل أخطر ما يمكن أن تفعله المؤسسة أن تبدأ بالتغيير من الحل بدل أن تبدأ من المشكلة. فتعلن نظامًا أو إجراءً أو هيكلًا جديدًا قبل أن تجيب عن سؤال أبسط: ما الذي لم يعد يعمل كما ينبغي؟
فالناس لا يتحمسون للأدوات بقدر ما يتحمسون لمعنى ما ستصنعه هذه الأدوات في حياتهم المهنية وفي حياة المستفيدين. وحين يرى الموظف المشكلة ويفهم لماذا لم تعد الممارسة الحالية مناسبة، يصبح أكثر استعدادًا لترك ما اعتاده. أما العبارات العامة عن التطوير والابتكار والتميز، فقد تحظى بالتصفيق، لكنها لا تمنح بالضرورة سببًا حقيقيًا لتغيير السلوك.
والثقة عنصر آخر لا يمكن اختصاره في خطاب قيادي متحمس أو اجتماع افتتاحي. فالثقة في التغيير تدخل إلى المؤسسة محمولة على تاريخها؛ يحمل الموظفون معهم ما رأوه من قبل: مشاريع اكتملت، وأخرى تعثرت، ووعود تحققت، وأخرى بقيت في الملفات. لذلك تبدأ كل مبادرة جديدة من رصيد سابق، إيجابيًا كان أم سلبيًا.
القيادة التي تقول إن التغيير أولوية ثم تعيد توجيه الموارد عند أول ضغط، توصل رسالتها من خلال الفعل قبل القول. والقيادة التي تدعو الناس إلى إبداء مخاوفهم ثم تنظر إلى الرأي المختلف باعتباره عائقًا، لا تستطيع بعد ذلك أن تطلب مشاركة صادقة. فالثقة في جوهرها قراءة الموظف لمدى اتساق المؤسسة بين ما تقوله وما تفعله.
ولهذا فإن السؤال عن جاهزية الموظفين يجب أن يسبقه سؤال آخر: هل هيأنا لهم ما يجعل الاستعداد ممكنًا؟
هل الصلاحيات واضحة؟ هل الوقت متاح؟ هل الأولويات متسقة؟ هل البيانات والأنظمة تساعد أم تعرقل؟ هل الحوافز عادلة؟ وهل يستطيع الموظف أن يمارس السلوك الجديد دون أن يجد نفسه ممزقًا بين تعليمات قديمة وتوقعات جديدة؟
هذه أسئلة إدارية في ظاهرها، لكنها تمس جوهر التغيير. فكم من موظف وُصف بأنه مقاوم، بينما كان يواجه قيدًا لا يملك صلاحية إزالته؟ وكم من مشروع تعثر لأن فريقه لم يحصل على الوقت أو الموارد الكافية، ثم قيل إن العاملين لم يكونوا جادين؟
أما التدريب، فعلى أهميته، فلا يصنع الجاهزية وحده. قد يتعلم الموظف استخدام نظام جديد، ثم يعود إلى بيئة لا تزال تعمل بالطرق القديمة. وقد يعرف الإجراء الجديد جيدًا، لكنه يتردد في تطبيقه لأن كلفة الخطأ أعلى من قدرة المؤسسة على احتماله. التدريب يعلم الإنسان كيف يفعل، لكنه لا يمنحه بالضرورة القدرة على أن يفعل.
وفي الخدمات الحكومية تصبح الصورة أكثر تعقيدًا؛ لأن الخدمة لا تعيش غالبًا داخل حدود جهة واحدة. قد يتطلب تحسينها تعديل تعليمات لدى جهة أخرى، أو مشاركة بيانات، أو إعادة توزيع صلاحية، أو تنسيقًا بين أكثر من مؤسسة. وهنا قد يكون فريق المشروع جاهزًا، والموظفون جاهزين، والحل جاهزًا، لكن البيئة المحيطة به ليست كذلك. فيبدو المشروع متعثرًا، بينما تكمن المشكلة في شبكة من الاعتماديات لم تُقرأ قبل أن يبدأ.
ولهذا فإن النضج في إدارة التغيير لا يقاس فقط بجودة الحل، وإنما بقدرة المؤسسة على قراءة الأرض التي سيزرع فيها هذا الحل.
كما أن التغيير لا يحمل المعنى ذاته لجميع العاملين. فالمشروع الذي يخفف العبء عن إدارة قد يزيده على أخرى، والصلاحية التي تمنح فريقًا قدرة أكبر على الإنجاز قد تعيد توزيع المسؤولية والمخاطر على فريق آخر. وما يبدو تحسينًا بسيطًا من أعلى الهرم قد يعني، في تفاصيل العمل اليومية، تغييرًا كبيرًا في طريقة ممارسة المسؤولية.
لذلك يحتاج التغيير إلى الإصغاء قبل الإقناع.
فبعض الاعتراضات التي نسميها مقاومة قد تكون في حقيقتها معرفة مهنية لم تصل إلى طاولة القرار. الموظف الذي يعيش الإجراء كل يوم يرى أحيانًا ما لا يراه مصمم المشروع من مكتبه، وقد تكشف ملاحظة صغيرة عائقًا قادرًا على إرباك التصميم كله. المؤسسة الناضجة لا تخشى هذا الصوت، بل تستخدمه لاختبار فكرتها قبل أن تدفع ثمن اكتشاف عيوبها بعد التعميم.
والجاهزية ليست حالة نصل إليها مرة واحدة ثم نضع أمامها علامة «تم». فقد تبدأ المبادرة بطاقة عالية، ثم تستنزفها طول الإجراءات أو ضغط العمل أو تغير الأولويات. وقد يحدث العكس؛ تبدأ الفكرة بشيء من الشك، ثم تنمو الثقة عندما يرى الناس نتيجة صغيرة تعمل أمامهم.
لذلك ينبغي أن تُقرأ الجاهزية أثناء الطريق، من خلال ما يحدث فعلًا: هل تستمر الممارسة الجديدة؟ أين تتكرر العودة إلى القديمة؟ ما العوائق التي لم تُحل؟ وأين بدأ العبء يتجاوز قدرة الفريق؟ فهذه التفاصيل تكشف حالة التغيير أكثر مما تكشفه درجة واحدة في استبانة.
وربما هنا تكمن الفكرة الأهم: التغيير ليس اختبارًا لمدى استعداد الموظفين وحدهم، بل اختبار لاستعداد المؤسسة لأن تتحمل كلفته.
فإذا أرادت المؤسسة سلوكًا جديدًا، عليها أن تنظر إلى الأنظمة التي دعمت السلوك القديم. وإذا أرادت سرعة أكبر، فعليها أن تراجع الصلاحيات التي صنعت البطء. وإذا أرادت مبادرة وابتكارًا، فعليها أن تسأل عن الثمن الذي يدفعه من يجرب. وإذا أرادت خدمة أكثر بساطة، فعليها أن تمتلك الشجاعة لإزالة التعقيد الذي راكمته هي نفسها عبر السنوات.
عندها يصبح التغيير أكثر من مجرد تعليمات جديدة؛ يصبح انتقالًا حقيقيًا في طريقة العمل والتفكير.
فالتغيير لا يفشل دائمًا لأن الناس تمسكوا بالماضي؛ أحيانًا يفشل لأن المؤسسة طلبت منهم أن يتركوا الماضي، بينما أبقت أبوابه مفتوحة.
وحين تغلق المؤسسة تلك الأبواب بقراراتها وأنظمتها وصلاحياتها، وتفتح طريقًا واضحًا للممارسة الجديدة، يصبح التغيير أكثر قابلية للحياة.
فالجاهزية الحقيقية لا تعني أن يكون الناس مستعدين للتغيير فحسب؛ بل أن تكون المؤسسة قد هيأت نفسها لكي ينجح هذا التغيير. فهل نحن مستعدون؟