اقتصاد يتغير وبورصة لا تتغير بالسرعة نفسها
د.عدلي قندح
17-09-2026 09:34 AM
* من يمثل الاقتصاد الأردني داخل السوق؟
في المقال السابق توقفنا عند مفارقة مهمة: يمكن أن ترتفع القيمة السوقية لبورصة عمّان إلى أكثر من 29 مليار دينار، من دون أن يعني ذلك أن المليارات المضافة إلى قيمة الأسهم تحولت بالمقدار نفسه إلى استثمارات ومصانع ووظائف جديدة. لكن وراء هذه المفارقة سؤال أكثر عمقاً: ماذا تمثل هذه الـ29 مليار دينار أصلاً؟ وهل تعكس الشركات المدرجة اليوم الاقتصاد الأردني كما أصبح، أم الاقتصاد كما كان قبل عقدين أو ثلاثة؟ هذا السؤال يتجاوز أداء البورصة إلى مفهوم أوسع يمكن تسميته "الهوية الاقتصادية للسوق"؛ أي مدى ارتباط تركيب سوق رأس المال ببنية الاقتصاد الحقيقي واتجاه تحوله.
المرآة التي لا تعكس الصورة كاملة
يفترض، من حيث المبدأ، أن تعكس البورصة جانباً مهماً من بنية الاقتصاد واتجاه تحوله. فإذا تغير الاقتصاد، وظهرت قطاعات وشركات ونماذج أعمال جديدة، يفترض أن يتغير تركيب السوق معه بمرور الوقت. لكن ماذا يحدث عندما يتغير الاقتصاد بينما تتغير البورصة بوتيرة أبطأ؟ قد نحصل عندها على سوق جيدة من حيث التنظيم، وربما قوية من حيث الأرباح والقيمة السوقية، لكنها لا تعكس بصورة كاملة مصادر النمو الجديدة في الاقتصاد. وهذه، في تقديري، إحدى القضايا الهيكلية التي تستحق نقاشاً أعمق في حالة بورصة عمّان. فالسوق الأردنية تضم شركات مصرفية وتعدينية وصناعية وخدمية مهمة، وبعضها شركات كبيرة وناجحة إقليمياً ودولياً. وهذه نقطة قوة وليست مشكلة. المشكلة تبدأ عندما تصبح قصة الاقتصاد خارج البورصة أسرع من قصة الاقتصاد داخلها.
اقتصاد جديد يبحث عن مكانه في السوق
رؤية التحديث الاقتصادي نفسها تقدم تصوراً لاقتصاد أردني مختلف خلال العقد المقبل: صناعات عالية القيمة، وتكنولوجيا معلومات، وأمن سيبراني، وصناعات إبداعية، ورعاية صحية، وأدوية، ونقل ولوجستيات، وسياحة، وتعدين، وطاقة، وزراعة وتصنيع غذائي، إلى جانب الخدمات المالية وغيرها. أي أن استراتيجية الدولة لا تراهن على قطاع واحد، بل على اقتصاد أكثر تنوعاً وتعقيداً وقدرة على التصدير وخلق وظائف عالية الإنتاجية. والسؤال الطبيعي هنا: أين تظهر هذه التحولات داخل بورصة عمّان؟ فالاقتصاد الرقمي لا يقاس فقط بعدد الشركات الناشئة، والصناعات الإبداعية لا تصبح جزءاً من سوق رأس المال لمجرد نموها، وشركات التكنولوجيا والصحة والخدمات الحديثة لا تدخل تلقائياً في تركيب البورصة. هناك حلقة مؤسسية ومالية يجب أن تنقل الشركة من مرحلة التأسيس والنمو إلى الاستثمار المؤسسي، ثم ـ عندما تصبح جاهزة ـ إلى السوق العامة. وإذا كانت هذه الحلقة ضعيفة، ينمو الاقتصاد الجديد خارج البورصة.
قوة القطاعات التقليدية ليست المشكلة
ومن المهم هنا ألا نقع في استنتاج خاطئ. وجود وزن كبير للبنوك والتعدين والطاقة والصناعات التقليدية ليس علامة ضعف في حد ذاته. فالبنوك الأردنية تمثل إحدى نقاط القوة المؤسسية في الاقتصاد الأردني، كما أن شركات التعدين والفوسفات والبوتاس تمثل قدرات تصديرية وإنتاجية حقيقية. وقد أظهرت بيانات عام 2025 بالفعل قوة أداء عدد من هذه القطاعات؛ إذ ارتفع مؤشر البنوك بنحو 45.7%، والصناعة بنحو 60.4%، والتعدين والاستخراج بنحو 77.3%.. إذن المشكلة ليست أن هذه القطاعات كبيرة أكثر مما ينبغي. السؤال هو ما إذا كانت القطاعات الجديدة صغيرة في السوق أكثر مما ينبغي. وهذا فرق جوهري. فالهدف ليس تقليص وزن الشركات الناجحة، بل توسيع السوق حولها بإضافة أجيال جديدة من الشركات.
فجوة التمثيل الاقتصادي
يمكن تسمية هذه الظاهرة "فجوة التمثيل الاقتصادي". وتظهر عندما تصبح مساهمة قطاع ما في النمو والاستثمار والصادرات والتوظيف والابتكار أكبر بكثير من حضوره في سوق رأس المال. فإذا كان قطاع التكنولوجيا، مثلاً، ينمو ويصدر خدمات ويجذب استثمارات ويخلق وظائف نوعية، بينما يظل حضوره في البورصة محدوداً، فإن المستثمر الذي يشتري "الاقتصاد الأردني" من خلال بورصة عمّان لا يشتري فعلياً الصورة الكاملة لذلك الاقتصاد. ولا تعني هذه الفجوة أن الوزن القطاعي في البورصة يجب أن يطابق الوزن القطاعي في الناتج المحلي، وإنما أن تكون السوق قادرة على التقاط الشركات القابلة للاستثمار العام في القطاعات التي تقود التحول الاقتصادي.
وهنا تتغير وظيفة البورصة نفسها. فالسوق ليست فقط مكاناً لتمويل الشركات؛ إنها أيضاً خريطة مالية للاقتصاد. وكلما اتسعت الفجوة بين الخريطة والواقع، أصبحت مؤشرات السوق أقل قدرة على التعبير عن اتجاه التحول الاقتصادي.
لماذا تبقى شركات الاقتصاد الجديد خارج البورصة؟
جزء من الإجابة على هذا السؤال يتعلق بطبيعة الشركات نفسها. فالشركات الجديدة تبدأ غالباً صغيرة، ويملكها مؤسسون أو عائلات أو مستثمرون محدودون، وقد لا ترغب مبكراً في الإفصاح العام ومتطلبات الحوكمة وتوزيع الملكية. وجزء آخر يتعلق بمنظومة التمويل. فإذا استطاعت الشركة تمويل توسعها من الأرباح أو البنوك أو مستثمر خاص، فقد لا ترى سبباً كافياً لتحمل كلفة الإدراج. لكن هناك سبباً أعمق: غياب المسار المتصل من الشركة الناشئة إلى الشركة المدرجة. فالأسواق الأكثر ديناميكية لا تنتظر ظهور شركة كبيرة ثم تطلب منها الإدراج، بل تبني سلماً تمويلياً يبدأ برأس المال الجريء، ثم تمويل النمو والملكية الخاصة والمستثمر المؤسسي، وصولاً إلى أسواق نمو بمتطلبات مناسبة، ثم السوق الرئيسية. وبذلك يصبح الإدراج مرحلة طبيعية في دورة حياة الشركة، لا قراراً استثنائياً تتجنبه ما استطاعت.
هل نحتاج بورصة تواكب رؤية التحديث الاقتصادي؟
هنا تصبح العلاقة مع رؤية التحديث الاقتصادي أكثر أهمية. إذا كانت الدولة تريد اقتصاداً أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والصناعات عالية القيمة والخدمات المستقبلية والسياحة والصحة واللوجستيات والطاقة الحديثة، فإن سوق رأس المال ينبغي أن تصبح إحدى أدوات تمويل هذا التحول، لا مجرد مرآة متأخرة له. وهذا يتطلب الانتقال من سؤال: كيف نجذب المستثمر إلى البورصة؟ إلى سؤال أكثر استراتيجية: كيف نجذب إلى البورصة الشركات التي نريد أن تقود الاقتصاد الأردني في 2035؟ والفرق بين السؤالين كبير. الأول يركز على الطلب على الأسهم، أما الثاني فيركز على صناعة العرض الاستثماري نفسه.
من القيمة السوقية إلى الهوية السوقية
ولهذا قد لا يكون كافياً مستقبلاً أن نقيس بورصة عمّان بالقيمة السوقية وحجم التداول وعدد الشركات فقط. نحتاج أيضاً إلى معرفة مدى ارتباط التركيب القطاعي للسوق بالاقتصاد الحقيقي واتجاه تحوله: ما حصة القطاعات الجديدة؟ وما وزن الشركات التصديرية؟ وكم تمثل الشركات ذات الإنتاجية المرتفعة؟ وهل تزداد حصة القطاعات التي تراهن عليها استراتيجية النمو الوطنية؟ ومن هنا يمكن التفكير في مفهوم أوسع هو "مؤشر الهوية الاقتصادية للسوق " (Market Economic Identity Index – MEII)، الذي يقيس مدى قدرة سوق رأس المال على تمثيل بنية الاقتصاد وتحولاته، من خلال أبعاد تشمل التوافق القطاعي، والتنويع، والتعقيد الاقتصادي، والإنتاجية، والروابط الإنتاجية. فالنجاح ليس أن تصبح البورصة نسخة حسابية مطابقة للناتج المحلي؛ فهذا لا يحدث حتى في أكثر الأسواق تطوراً، وإنما أن تبقى السوق متصلة باتجاه حركة الاقتصاد وقادرة على تمثيل مصادر نموه الجديدة.
ويطرح كاتب المقال في هذا السياق مؤشراً جديداً طوّره تحت مسمى "مؤشر الهوية الاقتصادية للسوق" (MEII)، وإطاراً منهجياً لقياس درجة التوافق بين هوية سوق رأس المال والبنية الهيكلية للاقتصاد الحقيقي. وسيتم عرض منهجيته ومكوناته وآلية احتسابه وتطبيقه على الحالة الأردنية في دراسة مستقلة لاحقاً.
بورصة 2035
إذا نجحت رؤية التحديث الاقتصادي في تغيير هيكل الاقتصاد الأردني خلال السنوات المقبلة، بينما بقي تركيب بورصة عمّان قريباً من صورته التاريخية، فسنكون أمام اقتصاد يتطور أسرع من سوق رأس ماله. أما إذا أصبحت السوق منصة تستقطب شركات التكنولوجيا والصحة والصناعات عالية القيمة والخدمات الحديثة، إلى جانب البنوك والتعدين والصناعات القائمة، فإن البورصة ستتطور من سوق تعكس بدرجة كبيرة هيكل الاقتصاد القائم إلى منصة تمويل أكثر قدرة على تمثيل القطاعات والشركات التي ستقود النمو في المستقبل. وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: هل تمثل بورصة عمّان الاقتصاد الأردني اليوم؟ بل السؤال الأهم: إذا كان الأردن يبني اقتصاد 2035 بشركات وقطاعات جديدة... فلماذا لا نرى ملامح هذا الاقتصاد تتشكل منذ الآن داخل بورصة عمّان؟