الأردن وإيطاليا .. من دبلوماسية العلاقات إلى اقتصاد الشراكات
خالد صفران البلاونة
19-09-2026 08:21 PM
من موقع الأردني الذي يعيش في إيطاليا، ومن موقع المتابع والقريب من دوائر الأعمال والعلاقات الدولية، أجد نفسي أمام قناعة تزداد رسوخًا يومًا بعد يوم: العلاقة بين الأردن وإيطاليا تمتلك من المقومات ما يؤهلها للانتقال من علاقة صداقة وتعاون تقليدية إلى شراكة استراتيجية ذات أبعاد اقتصادية واستثمارية وجيوسياسية أوسع.
وأقول ذلك ليس من باب المجاملة الدبلوماسية، ولا باعتبار العلاقات بين الدول مجرد صور ولقاءات ومذكرات تفاهم، وإنما من واقع ما أراه وألمسه في المجتمع الإيطالي وقطاع الأعمال والمؤسسات الاقتصادية، ومن خلال متابعتي المباشرة للحراك الذي يجري بين البلدين.
لقد تغير العالم من حولنا.
ولم تعد الدول تُقاس فقط بحجم اقتصاداتها، بل بقدرتها على بناء شبكات من الشراكات والثقة والمصالح المشتركة. وفي هذا العالم المتغير، يستطيع الأردن أن يكون أكثر من مجرد شريك لدول أوروبا؛ يستطيع أن يكون حلقة وصل استراتيجية بين أوروبا والمنطقة العربية.
وهنا تحديدًا أرى أن إيطاليا يمكن أن تكون شريكًا محوريًا للأردن.
إيطاليا ليست مجرد سوق.. بل بوابة إلى أوروبا
عندما نتحدث في الأردن عن إيطاليا، غالبًا ما ينصرف التفكير إلى السياحة أو المنتجات الإيطالية أو الثقافة والفنون.
لكن الصورة الاقتصادية والاستراتيجية أوسع بكثير.
إيطاليا دولة صناعية كبرى، تمتلك خبرات متقدمة في التصنيع والهندسة والطاقة والتكنولوجيا والآلات والصناعات الغذائية والدوائية والقطاعات الإبداعية، كما تتميز بنموذج اقتصادي يقوم بدرجة كبيرة على الشركات المتوسطة والصغيرة القادرة على الدخول في شراكات دولية مرنة.
وهذا يتقاطع بصورة لافتة مع احتياجات الاقتصاد الأردني.
من وجهة نظري، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه لم يعد:
كيف نجذب الشركات الإيطالية إلى الأردن؟
بل: كيف نبني منظومة شراكة تجعل الشركة الإيطالية ترى في الأردن قاعدة للعمل في المنطقة، وتجعل الشركة الأردنية ترى في إيطاليا بوابة للتوسع في أوروبا؟
هذا التحول في طريقة التفكير هو، في تقديري، جوهر المرحلة المقبلة.
الأردن يملك ما يبحث عنه المستثمر الأوروبي
من السهل أن نتحدث عن الأردن باعتباره دولة مستقرة وآمنة، وهذه بالفعل إحدى نقاط قوته.
لكن علينا ألا نتوقف عند هذا الوصف.
الأردن يمتلك موقعًا جغرافيًا مهمًا، ورأس مال بشريًا مؤهلًا، وخبرات متراكمة في عدد من القطاعات، وشبكة واسعة من العلاقات الدولية، إضافة إلى قدرته على التواصل مع أسواق المنطقة.
وفي المقابل، يبحث المستثمر الأوروبي اليوم عن أسواق وشركاء يستطيع من خلالهم الوصول إلى المنطقة، وتنويع سلاسل التوريد، وتوسيع أعماله، والاستفادة من الكفاءات المحلية.
وهنا توجد مساحة كبيرة يمكن للأردن أن يتحرك فيها.
لكن الفرصة لا تنتظر أحدًا.
الاستثمار لا يأتي فقط لأن الدولة تحتاج إليه، بل يأتي عندما يجد المستثمر مشروعًا واضحًا، وشريكًا موثوقًا، وإجراءات مفهومة، وعائدًا اقتصاديًا مقنعًا.
ولهذا فإن التنافس على الاستثمار العالمي أصبح تنافسًا على سرعة اتخاذ القرار، وعلى جودة البيئة الاستثمارية، وعلى القدرة على بناء الثقة قبل توقيع العقود.
من المؤتمرات إلى المشاريع
أعتقد أن هذه هي النقطة التي تستحق أن نتوقف عندها طويلًا.
لقد أصبح لدينا في الأردن حضور متزايد في المؤتمرات والمنتديات الاقتصادية الدولية، ولدينا وفود رسمية ورجال أعمال واجتماعات ومذكرات تفاهم.
وهذا مهم جداً .
لكن النجاح الحقيقي يبدأ بعد انتهاء المؤتمر.
فالمستثمر يقيس النجاح بعد ثلاثة أشهر وستة أشهر وعام:
ماذا حدث؟
هل وجدنا شريكًا؟
هل حصلنا على المعلومات؟
هل تم تسهيل الإجراءات؟
هل تحول النقاش إلى دراسة جدوى؟
هل وقعنا اتفاقًا؟
هل بدأ المشروع؟
من هنا، أرى بأننا بحاجة إلى تطوير مفهوم “ما بعد الترويج”؛ أي وجود منظومة متابعة احترافية لكل فرصة استثمارية تنشأ في الخارج، من لحظة التعارف الأولى وحتى الوصول إلى الإغلاق المالي وبدء المشروع.
وهذا هو الفارق بين الترويج للاستثمار وصناعة الاستثمار.
العلاقات الدولية ليست بروتوكولًا.. إنها اقتصاد
ومن خلال عملي في مجال العلاقات الدولية والتسويق في إيطاليا، أرى بوضوح أن العلاقات بين الدول لم تعد شأنًا حكوميًا بحتًا.
الدبلوماسية الحديثة أصبحت مرتبطة بالاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد والاستثمار والسياحة والتعليم والابتكار.
السفير والدبلوماسي ورجل الأعمال والمستثمر والجامعة ومؤسسة المجتمع المدني يمكن أن يكونوا جميعًا جزءًا من شبكة واحدة تخدم المصالح الوطنية.
ولهذا فإنني أؤمن بأهمية ما يمكن تسميته “الدبلوماسية الاقتصادية الشعبية”؛ أي أن يكون للأردنيين المقيمين في الخارج دور أكبر في تعريف المجتمعات التي يعيشون فيها ببلدهم، وفتح قنوات التواصل، وبناء الثقة، وربط رجال الأعمال والمؤسسات.
وهنا أرى أن الجالية الأردنية في إيطاليا يمكن أن تكون جزءًا مهمًا من هذه المعادلة.
فنحن لا نريد أن تكون الجالية مجرد جمهور يحضر المناسبات الوطنية.
نريدها أن تكون جسرًا اقتصاديًا ومعرفيًا وإنسانيًا بين الأردن وإيطاليا.
الأردني في الخارج.. من المغترب إلى الشريك
أقول ذلك أيضًا من تجربتي الشخصية.
عندما يعيش الأردني في أوروبا سنوات طويلة، فإنه لا يفقد ارتباطه بوطنه؛ بل يكتسب في المقابل معرفة بالمجتمع الذي يعيش فيه، وبثقافته، وطريقة عمل مؤسساته، وعقلية قطاع الأعمال فيه.
وهذه المعرفة يمكن أن تتحول إلى قيمة وطنية.
الأردن بحاجة إلى النظر إلى أبنائه في الخارج باعتبارهم شركاء في التنمية والعلاقات الدولية، وليس فقط كمغتربين أو محوّلين للأموال.
الجالية تستطيع أن تساعد في جذب الاستثمارات، وفتح الأسواق، ونقل المعرفة، وربط الجامعات، والتعريف بالمنتجات الأردنية، والترويج للسياحة، وبناء العلاقات بين المؤسسات.
لكن ذلك يحتاج إلى إطار مؤسسي واضح، وإلى قنوات عملية تربط الكفاءات الأردنية في الخارج بالفرص الموجودة في الداخل.
البحر الميت يجب أن يكون بداية لا نهاية
وفي هذا السياق، تكتسب المؤتمرات الاستثمارية الأردنية–الأوروبية أهمية خاصة.
لكنني أرى أن قيمة أي مؤتمر لا تكمن في يوم انعقاده، وإنما في الأشهر والسنوات التي تليه.
إذا خرج مستثمر أوروبي من مؤتمر في البحر الميت وهو يحمل معلومات أفضل عن الأردن، فهذا جيد.
وإذا خرج وهو يحمل مشروعًا قابلًا للدراسة، فهذا أفضل.
أما إذا عاد إلى بلده وقد أصبح لديه شريك أردني، وفريق عمل، وجدول زمني، ومسار واضح لتنفيذ المشروع، فهنا نكون قد انتقلنا من الترويج إلى الاستثمار الحقيقي.
وهذه، في رأيي، هي المعادلة التي ينبغي أن نقيس بها نجاحنا.
لماذا إيطاليا تحديدًا؟
لأن إيطاليا تستطيع أن تكون بالنسبة للأردن أكثر من شريك تجاري.
يمكن أن تكون شريكًا في التصنيع ونقل التكنولوجيا والتدريب المهني والطاقة والسياحة والصناعات الغذائية والمياه والبنية التحتية والخدمات اللوجستية والتصميم والصناعات المتخصصة.
كما أن الشركات الإيطالية، بخبراتها الصناعية والتقنية، تستطيع أن تجد في الأردن قاعدة مناسبة للتوسع في أسواق المنطقة.
وفي الاتجاه المقابل، تستطيع الشركات الأردنية أن تستفيد من الخبرة الإيطالية في تطوير المنتجات، والتصميم، والجودة، والتسويق، والدخول إلى الأسواق الأوروبية.
هذه ليست علاقة “مساعدة” من طرف إلى طرف.
إنها علاقة مصلحة متبادلة.
وهذا النوع من العلاقات هو الذي يستمر.
أعتقد بان الصياغة الأفضل التي نقدم بها الأردن إلى المستثمر الاجنبي بالقول:
هذه هي الفرصة.
هذا هو القطاع.
هذا هو الشريك المحتمل.
هذه هي الأسواق التي يمكنك الوصول إليها.
هذه هي الحوافز.
وهذه هي الخطوات التي ستوصلك من الفكرة إلى المشروع.
الأردن بحاجة إلى “خريطة استثمارية أوروبية”
ومن هنا أقترح أن يكون لدينا تصور أردني أكثر استدامة، يمكن أن نسميه مثلًا “خريطة الاستثمار الأردنية في أوروبا”.
خريطة تحدد، دولة بعد أخرى وقطاعًا بعد قطاع:
من نريد؟
ماذا نعرض؟
ما هي الشركات المستهدفة؟
ما هي المشاريع الجاهزة؟
من هو الشريك الأردني؟
ما هي الحوافز؟
وما هي آلية المتابعة؟
وأرى أن إيطاليا يمكن أن تكون نموذجًا عمليًا لهذه المقاربة.
فبدل أن ننتظر المستثمر الإيطالي ليبحث عن الأردن، علينا أن نذهب إليه حيث يوجد، وأن نتحدث معه بلغته الاقتصادية، وأن نفهم احتياجاته، وأن نقدم له مشاريع محددة.
صوت أردني من إيطاليا
ومن موقعي كرئيس ملتقى النشامى في إيطاليا، أرى أن مسؤوليتنا لا تقتصر على الاحتفال بالعلاقة بين البلدين، وإنما يجب أن نساهم في تعميقها وتعزيزها.
ومن موقعي أيضًا كرئيس مجلس إدارة شركة إيطالية متخصصة في العلاقات الدولية، أرى يوميًا كيف يمكن للعلاقات الشخصية والمؤسسية أن تتحول إلى فرص اقتصادية عندما تتوافر الرؤية والمتابعة والثقة.
ومن موقعي قبل كل ذلك كأردني يعيش في إيطاليا، أؤمن بأن بين البلدين مساحة أكبر بكثير مما نستخدمه اليوم.
نحن بحاجة إلى أن ننتقل من الحديث عن الصداقة الأردنية–الإيطالية إلى بناء مصالح أردنية–إيطالية مشتركة.
فالمصلحة المشتركة هي التي تجعل الصداقة أكثر رسوخًا، والاستثمار هو الذي يجعل العلاقات الاقتصادية أكثر استدامة، والمشاريع هي التي تمنح الاتفاقيات معناها الحقيقي.
من روما إلى عمّان.. ومن البحر الميت إلى أوروبا
ما يحدث اليوم بين الأردن وإيطاليا ليس مجرد سلسلة من الزيارات واللقاءات.
إنه فرصة لإعادة تعريف العلاقة الاقتصادية بين البلدين.
روما تستطيع أن تكون بوابة أردنية أوسع إلى أوروبا.
وعمّان تستطيع أن تكون بوابة إيطالية أوسع إلى المنطقة.
وبين العاصمتين يمكن أن تُبنى شبكة من الشركات والمستثمرين والمؤسسات والجامعات والخبرات، قادرة على إنتاج شراكات تتجاوز التجارة التقليدية إلى التصنيع والاستثمار والتكنولوجيا ونقل المعرفة.
فالأردن لديه المقومات.
وإيطاليا لديها الخبرة.
وأوروبا تبحث عن شراكات جديدة.
والمنطقة تحتاج إلى جسور اقتصادية مستقرة.
وإذا أحسنا جمع هذه العناصر، فإن ما يبدأ اليوم في روما يمكن أن يتحول غدًا إلى مشاريع في عمّان والبحر الميت والعقبة، وإلى شركات أردنية تعمل في إيطاليا، وشركات إيطالية تستثمر في الأردن، وإلى قصة نجاح حقيقية عنوانها:
شراكة أردنية–إيطالية تصنع قيمة مشتركة، وتفتح للأردن نافذة أوسع على أوروبا.
وهذه، في تقديري، هي الخطوة التالية التي تستحق أن نعمل من أجلها.
* رئيس ملتقى النشامى في إيطاليا
* رئيس مجلس إدارة شركة إيطالية متخصصة في العلاقات الدولية
* أردني مقيم في إيطاليا