الشركات العائلية وبورصة عمّان: لماذا لا يصل المزيد منها إلى السوق؟
د.عدلي قندح
20-09-2026 11:33 AM
بعد أن ناقشنا في المقال السابق العلاقة بين تطور الاقتصاد الأردني وتركيب بورصة عمّان، يبرز أحد الأسئلة العملية المهمة: أين يمكن أن يأتي الجيل الجديد من الشركات المدرجة؟ الإجابة تقودنا إلى قطاع واسع من الاقتصاد الأردني: الشركات العائلية.
لكن من المهم أولاً تصحيح انطباع قد يكون شائعاً: الشركات العائلية ليست غائبة عن بورصة عمّان. فقد أظهرت دراسة أكاديمية شملت 92 شركة مدرجة في قطاعات الصناعة والخدمات خلال الفترة 2010–2014 وجود 58 شركة عائلية ضمن العينة، أي نحو 63%.
كما أظهرت دراسة أخرى شملت 103 شركات غير مالية خلال الفترة 2009–2015 وجود 56 شركة عائلية ضمن العينة. وهذا يعني أن الملكية العائلية والإدراج في البورصة ليسا خيارين متعارضين.
لكن السؤال الأهم هو: لماذا لا يصل المزيد من الشركات العائلية الأردنية الناجحة والناضجة إلى المرحلة التي يصبح فيها الإدراج في سوق رأس المال خياراً طبيعياً للنمو؟
العائلة والبورصة يمكن أن تجتمعا
الإدراج في البورصة لا يعني بالضرورة أن تتخلى العائلة عن ملكيتها أو نفوذها. فقد تحتفظ العائلة بحصة مؤثرة في الشركة، وبتمثيل في مجلس الإدارة، بينما تفتح في الوقت نفسه جزءاً من الملكية أمام مستثمرين آخرين.
التحول الحقيقي هنا ليس من "شركة عائلية" إلى "شركة غير عائلية"، بل من شركة تعتمد بصورة كبيرة على الملكية والإدارة العائلية إلى مؤسسة أكثر تنظيماً وشفافية وحوكمة، تستطيع الاستمرار والنمو حتى مع انتقالها من جيل إلى آخر.
وهذا الجانب يكتسب أهمية خاصة في الأردن، حيث تشير وزارة الصناعة والتجارة والتموين إلى أن الشركات العائلية تشكل حوالي 90% من الأعمال في الأردن، كما تنقل الوزارة عن الدراسات أن نحو 30% فقط من الشركات العائلية تنجح في الانتقال إلى الجيل الثاني، بينما يستمر نحو 10% منها فقط إلى الجيل الثالث.
وهذه الأرقام، كما عرضتها الوزارة، تشير إلى تحدي الاستدامة والتعاقب المؤسسي الذي تواجهه الشركات العائلية.
ليست كل شركة عائلية مرشحة للإدراج
بطبيعة الحال، لا يعني ذلك أن كل شركة عائلية ينبغي أن تتحول إلى شركة مساهمة عامة.
فالاقتصاد الأردني يضم عدداً كبيراً من الشركات والمنشآت العائلية الصغيرة والمتوسطة التي لا تحتاج أصلاً إلى سوق رأس المال.
الإدراج يصبح أكثر منطقية عندما تكون الشركة قد وصلت إلى مرحلة من النضج، ولديها نموذج أعمال قابل للتوسع، وربحية أو قدرة واضحة على النمو، وأسواق محلية أو خارجية، واحتياجات تمويلية تتجاوز قدرة المساهمين الحاليين أو التمويل المصرفي التقليدي.
وهنا تحديداً تبدأ العلاقة بين الشركة العائلية وسوق رأس المال في التحول من مجرد خيار قانوني إلى استراتيجية للنمو.
الإدراج أكبر من عملية تمويل
من السهل النظر إلى الإدراج باعتباره وسيلة لجمع الأموال، لكنه في الواقع أوسع من ذلك. فالشركة المدرجة تدخل في بيئة مختلفة من الإفصاح والحوكمة والتقييم المستمر، وتصبح أكثر قدرة على جذب المستثمرين المؤسسيين، واستخدام أسهمها في التوسع والاستحواذ، وتوسيع قاعدة الملكية.
كما يمكن للإدراج أن يكون جزءاً من حل مشكلة التعاقب بين الأجيال، لأنه يساعد على تحويل الشركة من مشروع مرتبط بدرجة كبيرة بالمؤسس أو العائلة إلى مؤسسة تستطيع الاستمرار حتى بعد تغير الأشخاص.
وهذا مهم خصوصاً في ضوء ما تطرحه وزارة الصناعة والتجارة نفسها من تحديات تتعلق بحوكمة الشركات العائلية واستدامتها.
هنا تتغير مسؤولية السوق أيضاً
لكن تحميل الشركات العائلية وحدها مسؤولية ضعف تدفق الشركات الجديدة إلى البورصة سيكون قراءة ناقصة.
فالسوق نفسها يجب أن تكون جذابة بما يكفي لكي ترى الشركة الخاصة أن الانتقال إليها يمثل فرصة حقيقية، وليس مجرد مجموعة إضافية من المتطلبات والتكاليف.
ولهذا تبرز أهمية وجود سوق أكثر سيولة، وقاعدة أوسع من المستثمرين المؤسسيين، وإجراءات واضحة، وحوافز مناسبة، ومسارات تدريجية تساعد الشركات المتوسطة والنامية على الوصول إلى السوق.
واللافت أن هذا الاتجاه لم يعد مجرد اقتراح تحليلي، بل أصبح جزءاً من النقاش الرسمي حول تطوير سوق رأس المال الأردني.
ففي مبادرات المرحلة الثانية من رؤية التحديث الاقتصادي 2026–2029، أدرجت وزارة الصناعة والتجارة مبادرة تتعلق بابتكار حلول التمويل وتحفيز الكيانات التجارية، وتتضمن تشجيع تحول الشركات العائلية إلى مساهمة عامة بهدف خلق مؤسسات أكبر وأكثر قدرة على المنافسة.
وهذا تطور مهم؛ لأنه يعني أن تحول الشركات العائلية إلى شركات مساهمة لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره قراراً خاصاً بالشركة، وإنما أصبح مرتبطاً أيضاً بهدف أوسع يتمثل في توسيع قاعدة المؤسسات القادرة على النمو والمنافسة.
من انتظار الإدراجات إلى صناعة الشركات الجاهزة لها
إذا كان هذا هو الاتجاه، فإن الخطوة التالية ينبغي ألا تكون انتظار الشركات حتى تقرر الإدراج، وإنما بناء خط أنابيب للشركات القابلة للإدراج.
يمكن، مثلاً، تطوير برنامج وطني طوعي يستهدف الشركات العائلية الواعدة قبل سنوات من الإدراج، ويساعدها على تطوير أنظمة الحوكمة، والتقارير المالية، والإفصاح، وفصل الملكية عن الإدارة، وبناء مجالس أكثر استقلالية، ووضع استراتيجية واضحة للنمو والتمويل.
وفي هذا السياق يمكن تطوير مؤشر جاهزية الإدراج (IPO Readiness Index – IRI) لقياس مجموعة من العوامل، مثل النمو والربحية والحوكمة والشفافية واستقلالية الإدارة وهيكل الملكية وقابلية التوسع واحتياجات رأس المال وجاذبية الشركة للمستثمرين المؤسسيين.
الهدف من مثل هذا المؤشر ليس أن يقول للشركات: "يجب أن تدرج"، وإنما أن يحدد أين توجد الشركات التي يمكن أن تصبح، خلال السنوات المقبلة، جزءاً من قاعدة الشركات القادرة على استخدام سوق رأس المال.
نحو جيل جديد من الشركات المدرجة
الأردن لا يحتاج بالضرورة إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وزيادة عدد الشركات المدرجة لمجرد رفع الرقم. المطلوب هو زيادة معدل تجدد السوق، بحيث تخرج الشركات التي لم تعد قادرة على الاستمرار أو تلبية متطلبات السوق، وفي المقابل تدخل شركات جديدة أكثر نمواً وقدرة على المنافسة.
وهنا يمكن للشركات العائلية أن تكون أحد أهم مصادر هذا الجيل الجديد. فوجود شركات عائلية ناجحة ومدرجة بالفعل يثبت أن الجمع بين الملكية العائلية وسوق رأس المال ممكن.
كما أن التوجه الرسمي نحو تشجيع تحول الشركات العائلية إلى شركات مساهمة عامة يعطي هذه المسألة بعداً جديداً ضمن مسار تطوير الاقتصاد وسوق رأس المال في الأردن.
وفي النهاية، القضية ليست تحويل كل شركة عائلية إلى شركة مساهمة عامة، ولا اعتبار الإدراج هدفاً بحد ذاته.
القضية هي بناء منظومة تجعل سوق رأس المال أحد الخيارات الطبيعية أمام الشركة العائلية عندما تصل إلى مرحلة تحتاج فيها إلى رأس مال أكبر، وحوكمة أقوى، وانتشار أوسع، واستمرارية تتجاوز الجيل المؤسس.
فإذا أثبتت شركات عائلية أردنية بالفعل أن الجمع بين الملكية العائلية والإدراج ممكن، وإذا أصبحت الحكومة نفسها ترى في تحول الشركات العائلية إلى مساهمة عامة إحدى الأدوات لبناء مؤسسات أكبر وأكثر قدرة على المنافسة، فما الذي يمنع ظهور جيل جديد منها في بورصة عمّان؟