facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يتحدث الأردن أمام العالم .. خطاب الملك ورسالة الدولة التي لا تتخلى عن ثوابتها


د. هاشم احمد بلص
23-09-2026 10:25 AM

في اللحظات التي تعصف فيها الأزمات بالدول والشعوب، لا تكون الكلمات مجرد كلمات، ولا تكون المنابر الدولية مجرد منصات لإلقاء الخطب، وإنما تتحول إلى ساحات حقيقية للدفاع عن المصالح الوطنية، وتثبيت المواقف السياسية، واستحضار قواعد القانون الدولي، وإيصال صوت الشعوب إلى العالم. ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن قراءة خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، باعتباره خطاباً أردنياً بامتياز، حمل في مضامينه صوت الدولة الأردنية ومصالحها وثوابتها، وحمل في الوقت ذاته مسؤولية أوسع تجاه قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وأمن الدول العربية واستقرارها، ومستقبل النظام الدولي القائم على قواعد القانون والشرعية الدولية.

وليس من المبالغة القول إن الأردنيين تابعوا خطاب جلالة الملك بشعور يتجاوز المتابعة السياسية إلى الإحساس بالفخر الوطني؛ فحين يقف ملك الأردن على منبر الأمم المتحدة، بحضور قادة العالم، فإن الذي يقف هناك ليس شخصاً يمثل نفسه، وإنما قائد دولة يحمل معه تاريخ الأردن ومواقفه وثوابته ومصالحه وأمنه، ويتحدث باسم شعب أدرك على امتداد العقود أن موقع الأردن الجغرافي والسياسي جعله في قلب أحداث المنطقة، وأن حماية الدولة الأردنية لم تعد شأناً داخلياً محضاً، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بمآلات الأزمات المحيطة بها.

وقد جاءت أهمية خطاب جلالة الملك هذا العام من توقيته ومن طبيعة الرسائل التي حملها. فالمنطقة تعيش مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحرب والصراع الإقليمي والتوترات الأمنية والاقتصادية والإنسانية، فيما لا تزال القضية الفلسطينية تراوح مكانها رغم مرور عقود طويلة على صدور القرارات الدولية التي أكدت حقوق الشعب الفلسطيني. وفي هذا السياق، أعاد جلالة الملك وضع الأمور في إطارها الصحيح عندما أشار إلى أن المجتمع الدولي اختار لسنوات احتواء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدلاً من التصدي لجذوره وحله. وهذه العبارة تختصر إشكالية سياسية وقانونية عميقة؛ إذ إن إدارة الصراع ليست حلاً له، وتأجيل معالجة أسبابه لا يؤدي إلا إلى تراكم الأزمات وتحويلها في نهاية المطاف إلى تهديدات تتجاوز حدود أطرافها.

وهنا تظهر خصوصية الخطاب الأردني؛ فالأردن لا ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً سياسياً عابراً، ولا باعتبارها أزمة إنسانية يمكن اختزالها في المساعدات والإغاثة، وإنما باعتبارها قضية حقوق وقانون وشرعية دولية وحق شعب في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة. ولذلك ظل الموقف الأردني ثابتاً في التأكيد على حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، باعتبار ذلك أساساً لحل سياسي عادل ودائم. وقد أكدت قراءات أردنية لخطابات جلالة الملك أمام الأمم المتحدة أن هذا الموقف يشكل محوراً ثابتاً في السياسة الخارجية الأردنية، إلى جانب احترام القانون الدولي وحماية حقوق الإنسان.

ومن المنظور القانوني، فإن جوهر الرسالة الملكية يتصل بمبدأ بالغ الأهمية في العلاقات الدولية، وهو أن القانون الدولي لا ينبغي أن يكون انتقائياً، وأن قواعده لا يمكن أن تكتسب قوتها إذا كان تطبيقها يخضع لموازين القوة أو لحسابات المصالح السياسية. فميثاق الأمم المتحدة لم يوضع لإدارة مصالح الأقوياء فحسب، وإنما لإقامة نظام دولي يقوم على احترام سيادة الدول، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وحماية الأمن والسلم الدوليين، واحترام حقوق الشعوب. ولذلك فإن استمرار النزاعات دون معالجة أسبابها، أو التعامل معها بمنطق إدارة الأزمة بدلاً من إنهائها، يضع النظام الدولي نفسه أمام اختبار حقيقي لمصداقيته.

وفي هذا الإطار، يكتسب حديث جلالة الملك عن الأمن الأردني دلالة بالغة الأهمية، خصوصاً عندما أكد أن أي تهديد للحدود الشمالية للمملكة أو لأمنها المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني. فهذه ليست مجرد عبارة سياسية، وإنما تعبير واضح عن مفهوم السيادة وحق الدولة في حماية أمنها الإقليمي ومصالحها الحيوية. والأردن، بحكم موقعه الجغرافي، لا يستطيع أن يتعامل مع ما يجري حوله باعتباره أحداثاً بعيدة؛ فما يحدث في فلسطين وسوريا ولبنان والعراق وغيرها من ساحات المنطقة يترك آثاراً مباشرة على أمنه واستقراره واقتصاده ومصالحه الحيوية.

ومن هنا يمكن فهم التحذير الملكي من المخاطر الإقليمية بوصفه رسالة سياسية وقانونية في آن واحد: الأردن دولة سلام، لكنه ليس دولة مستعدة للتعامل مع أمنها باعتباره تفصيلاً في معادلات الإقليم. والأردن متمسك بالحلول السياسية، لكنه في الوقت ذاته يؤكد أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على حساب أمن الدول أو سيادتها أو حقوق شعوبها.

ولعل أكثر ما يميز الخطاب الملكي هو أنه لم ينطلق من منطق الانفعال أمام حجم الأزمات، وإنما من رؤية سياسية ترى أن الحلول المستدامة تبدأ من معالجة جذور المشكلة. وهذه السمة ليست جديدة على الخطاب الأردني؛ فقد أشارت وكالة الأنباء الأردنية إلى أن خطابات جلالة الملك أمام الأمم المتحدة، على امتداد السنوات، لم تكتف بوصف الأزمات، وإنما طرحت مسارات سياسية وقانونية وإنسانية لمعالجتها، انطلاقاً من رؤية تعتبر السلام والأمن والاستقرار مسؤولية مشتركة لا تتحقق بتأجيل الأزمات وإنما بمعالجة جذورها.

ومن هنا، فإن القيمة السياسية للخطاب لا تكمن فقط في مضمون ما قيل، وإنما في الثبات الذي يمثله. فالدبلوماسية الأردنية، بقيادة جلالة الملك، تتحرك منذ سنوات في مسارات متوازية: مسار سياسي للدفع نحو الحلول، ومسار دبلوماسي لحشد المواقف الدولية، ومسار إنساني لتخفيف معاناة المدنيين، ومسار قانوني لتثبيت الحقوق والمرجعيات الدولية. وهذه ليست مسارات متناقضة، بل تشكل في مجموعها أدوات دولة تسعى إلى حماية مصالحها والدفاع عن قضاياها ضمن منظومة العلاقات الدولية.

واللافت كذلك أن الخطاب الملكي لم يحصر تداعيات أزمات المنطقة داخل حدودها الجغرافية، وإنما أشار إلى آثار عدم الاستقرار على أسعار الطاقة والغذاء والتجارة والاستثمار في مختلف أنحاء العالم، مستشهداً بما أظهرته الحرب مع إيران من سرعة انتقال آثار عدم الاستقرار إلى خارج المنطقة. وهذه قراءة سياسية مهمة؛ لأنها تضع المجتمع الدولي أمام حقيقة أن ما يحدث في الشرق الأوسط لم يعد شأناً إقليمياً محضاً، وإنما أصبح يؤثر في الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة والاستثمار وحياة الناس في دول بعيدة جغرافياً عن المنطقة.

أما فلسطين، فقد بقيت في قلب الرسالة الملكية، وهو أمر يعكس ثبات الموقف الأردني أكثر مما يعكس ظرفاً سياسياً مؤقتاً. فالأردن يرى أن الأمن والاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يكتمل من دون حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً، وأن الحديث عن الأمن الإقليمي بعيداً عن حقوق الشعب الفلسطيني سيظل معالجة ناقصة لأزمة أعمق. وهذا الطرح يتقاطع كذلك مع تأكيد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مؤخراً على أنه لا يمكن تحقيق السلام في الشرق الأوسط من دون حل الدولتين، وعلى ضرورة احترام ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وحقوق الإنسان.

وفي القدس تحديداً، تتخذ الرسالة الأردنية بعداً إضافياً بحكم الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية. ولذلك فإن الدفاع عن هوية القدس ووضعها التاريخي والقانوني ليس بالنسبة للأردن مجرد موقف سياسي، وإنما مسؤولية تاريخية ودينية ووطنية ارتبطت بالدور الهاشمي في القدس عبر عقود طويلة. ومن هنا نفهم لماذا بقيت القدس حاضرة في الخطاب الأردني باعتبارها جزءاً من الحل السياسي والقانوني للقضية الفلسطينية، وليست مجرد عنوان رمزي.

إن قراءة خطاب جلالة الملك من زاوية أردنية خالصة تكشف أن الرسالة لم تكن موجهة إلى المجتمع الدولي وحده، وإنما تضمنت كذلك رسالة إلى الأردنيين أنفسهم. مفادها أن الدولة الأردنية تدرك حجم المخاطر المحيطة بها، وأنها تتابع التحولات الإقليمية والدولية، وأن أمن الأردن وسيادته ومصالحه الوطنية تقع في مقدمة الأولويات. وقد ظهر هذا البعد بوضوح في اللقاءات التي عقدها جلالة الملك على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، حيث أكد ضرورة حماية أمن وسيادة الدول العربية، وحذر من تداعيات التصعيد الإقليمي، مع التأكيد على أهمية الدور الأردني في دعم الاستقرار الإقليمي.

ومن هنا تحديداً يأتي شعور الأردنيين بالفخر. فالفخر الحقيقي لا ينبع من مجرد أن ملك الأردن وقف على منصة الأمم المتحدة، وإنما من أن الأردن، رغم محدودية موارده مقارنة بالدول الكبرى، استطاع أن يحافظ على حضور سياسي ودبلوماسي فاعل، وأن يقدم رؤيته للقضايا الإقليمية والدولية بلغة هادئة وواضحة، وأن يتمسك بثوابته في مرحلة تتغير فيها التحالفات والمواقف بسرعة.

إن جلالة الملك، عندما يقف أمام المجتمع الدولي، يحمل على عاتقه أكثر من مسؤولية في الوقت ذاته. يحمل مسؤولية الدولة الأردنية وأمنها واستقرارها، ويحمل أمانة الدفاع عن المصالح الوطنية، ويحمل إرثاً هاشمياً متصلاً بالقدس والمقدسات، ويحمل موقف الأردن الثابت من القضية الفلسطينية، ويحمل كذلك مسؤولية دولة وجدت نفسها بحكم موقعها الجغرافي والتاريخي في مواجهة آثار أزمات لم تكن هي من صنعها.

وهذه المسؤولية ليست سهلة. فالأردن يقف في منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية، وتتعاظم فيها المخاطر الأمنية والاقتصادية، وتتغير فيها خرائط التحالفات، فيما يبقى مطلوباً منه أن يحافظ في الوقت ذاته على أمنه الداخلي واستقراره وعلى علاقاته الدولية وعلى قدرته على حماية مصالحه الوطنية.

ولذلك فإن خطاب جلالة الملك لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد خطاب سياسي سنوي، وإنما باعتباره وثيقة سياسية تعكس جانباً مهماً من فلسفة الدولة الأردنية في التعامل مع محيطها والعالم. وهي فلسفة تقوم على أن القوة لا تعني التخلي عن القانون، وأن الدبلوماسية لا تعني التنازل عن الحقوق، وأن السعي إلى السلام لا يعني قبول الأمر الواقع، وأن الانفتاح على المجتمع الدولي لا يعني التخلي عن المصالح الوطنية.

وفي المحصلة، فإن ما قاله جلالة الملك أمام الأمم المتحدة يضع العالم أمام مسؤولية واضحة: لا يمكن ترك الصراعات تتراكم ثم الاستغراب من انفجارها، ولا يمكن التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً إنسانياً فقط، ولا يمكن الحديث عن الأمن الإقليمي مع تجاهل حقوق الشعوب وسيادة الدول، ولا يمكن مطالبة العالم باحترام القانون الدولي بينما يتم التعامل معه بمعايير مختلفة من أزمة إلى أخرى.

أما نحن الأردنيين، فإن حقنا في الفخر بجلالة الملك لا يرتبط فقط بما قاله في نيويورك، وإنما بما يمثله حضوره هناك من صورة للأردن؛ الأردن الذي يتحدث بثقة، ويتمسك بثوابته، ويدافع عن أمنه، ويضع قضايا أمته أمام العالم، ويؤكد في الوقت ذاته أن السلام ليس ضعفاً، وأن الاعتدال ليس تراجعاً، وأن الحوار لا يعني التفريط بالحقوق.

وفي لحظة يقف فيها جلالة الملك أمام العالم، بحضور سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، فإن المشهد يحمل معنى يتجاوز البروتوكول السياسي؛ فهو انتقال لمسؤولية الدولة من جيل إلى جيل، وامتداد لرسالة هاشمية ترى في الأردن دولةً لها دور يتجاوز حجمها الجغرافي، لأنها تحمل إرثاً تاريخياً وموقفاً سياسياً ومشروعاً قائماً على الاستقرار والسلام والاعتدال. وقد جاء حضور سمو ولي العهد إلى جانب جلالة الملك في اجتماعات الدورة الحالية للأمم المتحدة ليضيف إلى المشهد بعداً يتعلق باستمرارية الدولة ومؤسساتها ورسالتها.

لقد حمل جلالة الملك إلى الأمم المتحدة رسالة الأردن، لكنه في الحقيقة حمل أيضاً رسالة أمة تبحث عن السلام من دون أن تتنازل عن العدالة، وتبحث عن الاستقرار من دون أن تقبل المساس بسيادتها، وتؤمن بالقانون الدولي لأنها تدرك أن العالم لا يمكن أن يعيش في ظل منطق القوة وحده.

وهنا تكمن قيمة الخطاب الملكي الحقيقية: أنه لم يكن مجرد حديث عن الأردن أمام العالم، بل كان حديثاً باسم الأردن عن العالم الذي نريده؛ عالمٌ تكون فيه قوة القانون فوق قانون القوة، وتكون فيه حقوق الشعوب أساساً للسلام، وتكون فيه سيادة الدول مصانة، وتكون فيه القدس حاضرة في وجدان التاريخ والقانون، وتكون فيه فلسطين قضية حق وعدالة وحل سياسي لا قضية انتظار مفتوح.

ومن حق الأردنيين، في ختام هذا الخطاب، أن يشعروا بالفخر بقيادتهم، ليس لأن جلالة الملك تحدث باسمهم فحسب، وإنما لأنه حمل معه إلى واحد من أهم منابر العالم أمانة ثقيلة: أمانة الأردن، وأمانة القدس، وأمانة فلسطين، وأمانة السلام، وأمانة دولة اختارت أن يكون صوتها في عالم مضطرب صوت العقل والقانون والثبات.

وهذه، في جوهرها، هي الرسالة التي يحملها جلالة الملك على عاتقه؛ رسالة قائد لا يمثل دولة فحسب، وإنما يمثل تاريخاً وموقفاً وأمانة وطنية، ويعرف أن بعض الكلمات تُقال وتنتهي، بينما بعض الكلمات تُكتب في سجل التاريخ لأنها قيلت في اللحظة التي كان العالم أحوج ما يكون فيها إلى صوت يقول بوضوح: إن السلام الحقيقي لا يولد من إدارة الأزمات، وإنما من تحقيق العدالة، وإن استقرار المنطقة لن يتحقق بتأجيل الحقيقة، وإنما بمواجهة جذور الصراع وإرساء السلام على أساس القانون والحق.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :