صوت الحقيقة العارية أمام ضمير العالم .. قراءة متأنية في محاور خطاب الملك التاريخي
الدكتور عزمي حجرات
23-09-2026 10:37 AM
حين صدح جلالة الملك عبدالله الثاني من منبر الأمم المتحدة، لم يكن يلقي خطاباً بروتوكوليّاً عابراً، بل وضع المجتمع الدولي بأسره أمام مرآة عوراته وتناقضاته. لقد جاء الخطاب متكامل الأركان، غنياً بالمحاور الاستراتيجية التي شخصت واقع الأزمة الدولية ووضعت النقاط على الحروف في قضايا المنطقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
لقد استهل جلالة الملك كلمته بمدخل فلسفي ومعاصر يعكس قراءة عميقة لواقع العصر، من خلال محور "صراع الانتباه وتراجع الأولوية"، حيث حذر من خطورة تحول مأساة الشعوب ومعاناتهم اليومية إلى مجرد خبر عابر تستهلكه الشاشات وينساه العالم مع تغير عدسات الكاميرات. وأكد الملك بذكاء سياسي أن الانتباه لم يعد مجرد مورد معرفي فحسب، بل تحول إلى "مورد جيوسياسي" يحدد مصائر الشعوب، منبهاً من خطر التقاعس العالمي الذي اعتبره خياراً سياسياً متعمداً لا نقصاً في الأدوات.
وفي صلب الخطاب، انتقل جلالته إلى محور القضية الفلسطينية عبر تفكيك سياسات الاحتلال وإسقاط الأوهام الدولية، حيث قدم مقاربة دامغة تؤكد أن ما يجري في غزة والضفة الغربية ليس قصتين منفصلتين، بل هما وجهان استراتيجيان لغاية واحدة تتمثل في جعل قيام الدولة الفلسطينية أمراً مستحيلاً. ولم يكتفِ بذلك، بل عرى ممارسات الاحتلال في الضفة الغربية مؤكداً أنها تجاوزت مرحلة "عنف المستوطنين العابر" لتصبح نهجاً ممنهجاً للضم الفعلي والتهجير القسري الذي يمثل جريمة حرب واضحة. كما فنّد جلالته الأوهام المزيفة التي تحاول تصوير الصراع على أنه حرب دينية، مؤكداً بوضوح أن الصراع الحقيقي يدور حول ما إذا كان الفلسطينيون يستحقون أبسط حقوقهم الإنسانية، مذكراً العالم بأن العرب لم يسعوا يوماً إلا للسلام العادل، مستشهدا بمبادرة السلام العربية التي بقيت مطروحة لأكثر من عقدين دون شريك إسرائيلي مستعد للسلام.
ولم يتوقف الخطاب عند حدود فلسطين، بل امتد ليرسم ملامح الخطر الإقليمي المتمثل في سياسة الإفلات من العقاب والاطماع التوسعية؛ إذ حذر الملك من أن شعور حكومة الاحتلال بقدرتها المطلقة على الإفلات من المحاسبة لن يتوقف عند حدود الأراضي المحتلة، بل يمتد ليعبث باستقرار دول المنطقة واختبار حدودها كما يحدث في التوغلات المستمرة في سوريا. وهنا برز المحور الأردني السيادي الحاسم، حيث وضع جلالة الملك خطوطاً حمراء واضحة كالشمس؛ مؤكداً أن أي تهديد للحدود الشمالية للأردن أو لأمنه المائي هو تهديد مباشر للأمن القومي، ولن يشيح الأردن بوجهه بل سيحمي أمنه ومياهه ومصالح شعبه بكل صلابة وعزم.
وفي الختام، تجلى محور ثبات الموقف الأردني ورؤيته للمستقبل، حيث أكد الملك أن الأردن، رغم جسامة التحديات الإقليمية والأعباء المتراكمة من إرهاب وتهريب ومخدرات، ماضٍ في أداء دوره الإنساني والسياسي، متمسكاً بدعم صمود الأشقاء الفلسطينيين، ووكالة الأونروا، وحاملًا بكل أمانة وإخلاص لواء الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
لقد رسم الخطاب خارطة طريق واضحة تعري زيف التخاذل الدولي، وتؤكد أن الأردن بقيادته الهاشمية ووعي شعبه يمتلك شجاعة الموقف وصلابة المبدأ، ولن يحيد بوصلته عن نصرة الحق وخدمة قضايا الأمة مهما تبدلت الظروف وتغيّرت حسابات العالم.