خطاب الملك .. من منبر العالم إلى ضمير العالم
فيصل تايه
24-09-2026 10:09 AM
عدت إلى خطاب جلالة الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أكثر من مرة. وفي كل قراءة كانت بعض العبارات تقودني إلى معنى أبعد من ظاهرها، حتى وجدتني أبحث في الخطاب عن الفكرة التي تجمع قضاياه أكثر مما أبحث عن القضايا نفسها.
خطاب الملك، كان واضحاً بأن هناك معياراً واحداً يحكم النظر إلى كافة الملفات: احترام القانون الدولي، وصون سيادة الدول، وحماية الحقوق، ورفض فرض الوقائع بالقوة. معيار لا يتغير بتغير أسماء الدول، ولا يتسع لقضية ويضيق عن أخرى.
خطاب كبير كخطاب جلالته لا يقرأ فقط بما قاله، وإنما بما اختاره، وبالطريقة التي رتب بها القضايا، وبالمعنى الذي يتشكل بينها. ومن هذه الزاوية، بدا لي أن الخطاب يضع المجتمع الدولي أمام سؤال بسيط في صياغته، عميق في نتائجه: هل ما زالت القاعدة واحدة للجميع؟
حتى حين تحدث جلالته عن إيران، جاءت الإشارة في سياق مختلف ، فقد أشار إلى الحرب وآثار عدم الاستقرار على التجارة والاستثمار وحياة الناس خارج المنطقة، من دون أن يحول إيران إلى محور هجائي. ثم استعاد مبادرة السلام العربية لعام ٢٠٠٢، التي عرضت التطبيع مع ٥٧ دولة عربية وإسلامية، بينها إيران والعراق آنذاك، مقابل السلام وقيام الدولة الفلسطينية.
وفي ذلك ما يكفي لفهم طريقة التفكير السياسية الأردنية: الخلاف لا يلغي السياسة، والسياسة لا تغلق أبواب الحل، والاستقرار الدائم يحتاج إلى معالجة جذور الأزمات لا الاكتفاء بإدارتها.
وعند إسرائيل، يصبح الخطاب أكثر مباشرة وحزماً. غزة والضفة الغربية ظهرتا في صورة واحدة: حرب ودمار وتهجير في غزة، واستيطان ومصادرة أراضٍ وضم فعلي في الضفة. والخطر الذي يراه الملك يتجاوز المأساة الإنسانية إلى تغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي بما يجعل قيام الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة.
وهنا تتجاوز القضية حدود الحرب نفسها. فالوقائع التي تُفرض بالقوة، إذا طال السكوت عنها، تتحول تدريجياً إلى واقع سياسي يصعب تغييره، وتكشف خطورة الانتقائية التي تجعل القانون الدولي ملزماً في جغرافيا ومعطلاً في أخرى.
ولهذا كان الدفاع عن حل الدولتين في الخطاب دفاعاً عن مستقبل المنطقة، وعن مرجعية القانون في آن واحد. وأن الاستقرار الإقليمي الدائم لا يمكن أن يتحقق من دون الحقوق المشروعة والكاملة للشعب الفلسطيني وقيام دولته المستقلة على أساس حل الدولتين.
ومن هنا تعود مبادرة السلام العربية إلى المشهد. أكثر من عقدين مضيا على طرحها، فيما بقي جوهر العرض قائماً: سلام وتطبيع مقابل السلام وقيام الدولة الفلسطينية. وبين المبادرة وما آلت إليه المنطقة اليوم مسافة تكشف حجم الفرصة السياسية التي لم تُستثمر.
وفي هذا الإطار يأتي الحديث عن أمن إسرائيل؛ فالرؤية الأردنية، كما عكسها خطاب الملك، تربط الأمن بالسلام، والسلام بقيام الدولة الفلسطينية واحترام الحقوق والقرارات الدولية.
وهذه معادلة استراتيجية تستحق التوقف عندها؛ لأن الأمن الذي يبحث عن الاستقرار الدائم يحتاج إلى تسوية سياسية، لا إلى وقائع عسكرية تعيد إنتاج الخوف وتبقي المنطقة أسيرة دوائر العنف.
ثم تقترب المسألة من الأردن مباشرة.
ففي جنوب سوريا، تحدث جلالة الملك عن التوغلات الإسرائيلية والتوسع وفرض وقائع جديدة، بما في ذلك حول مصادر مياه حيوية، وربط ذلك صراحة بأمن الأردن وحدوده الشمالية وأمنه المائي.
هنا يصبح القانون الدولي جزءاً من الأمن الوطني الأردني نفسه؛ لأن أمن الدول لا يبدأ من عواصمها فقط، وإنما من احترام حدودها وسيادتها ومصالحها الحيوية.
ومن سوريا إلى لبنان، تتسع الصورة الإقليمية. فقد أكد الملك دعم أمن البلدين واستقرارهما وسيادتهما، محذراً من تداعيات الإجراءات الإسرائيلية على أمن المنطقة واستقرارها. هكذا بقيت البوصلة الأردنية واحدة: التهدئة حين تكون ممكنة، والحزم حين يتعلق الأمر بالأمن الوطني والسيادة.
وربما هنا تكمن أهم فكرة بقيت معي بعد قراءة الخطاب ، فجلالة الملك لم يقدم للأمم المتحدة قائمة جديدة من الخصومات؛ قدم اختباراً لمصداقية النظام الدولي نفسه. فإذا كانت الشرعية الدولية هي المرجعية التي يفترض أن تنظم العلاقات بين الدول، فلا يمكن أن تتغير قيمة القاعدة بتغير الدولة التي تنتهكها.
ومن هنا يصبح موقع الأردن في هذه المعادلة أكثر وضوحاً؛ دولة تعرف مصالحها، وتدرك أن عالماً تحكمه القواعد أكثر أمناً واستقراراً من عالم تعيد فيه القوة رسم الحدود والحقوق والمصالح. لذلك يصبح تمسك الأردن بالشرعية الدولية جزءاً لا يتجزأ من دفاعه عن أمنه الوطني، وعن أمن المنطقة التي يعيش فيها.
ولهذا عدت إلى الخطاب مرة أخرى. بعد أن هدأت الكلمات، بقيت الفكرة الأوضح: الأردن لا يطلب من العالم أن يتفق معه في كل شيء؛ إنه يطلب منه أن يتعامل مع القاعدة باعتبارها قاعدة واحدة للجميع، لا تتجزأ ولا تخضع للهوى السياسي.
وربما هنا تكمن قيمة الخطاب الحقيقية؛ في أنه لم يكتفِ بوصف أزمة المنطقة، وإنما أعاد طرح السؤال الاستراتيجي الذي يسبق كل الحلول:
من يحمي القاعدة حين تصبح القوة أقوى من القانون؟؟