حين يسبقنا المستقبل .. ويأتي بغير ما توقّعنا .. الصندوق الأسود (36)
د. كفاية عبدالله
25-09-2026 06:30 PM
هو الغائب الحاضر، والبعيد القريب؛ لا نراه، لكننا نبني له كل يوم قرارًا، ونضع له تشريعًا، ونصمم له خدمة، ونستثمر من أجله في نظام سيعيش سنوات بعدنا.
إنه المستقبل.
كلنا ندّعي الاستعداد له، لكن المستقبل وحده يكشف حقيقة ما ندّعيه من جاهزية.
ولعل مشكلتنا ليست أننا لا نفكر في الغد، بل أننا كثيرًا ما نفكر فيه بعقل الأمس. نعامل الغد كأنه ابن أبيه؛ سيشبه أخاه، ويحمل اسم جدّه الأكبر. نمدّ خطوط الحاضر إلى الأمام، ونضيف إليها بعض التحسينات، ثم نسمي ذلك خطة للمستقبل.
لكن المستقبل ليس ملزمًا بقيود افتراضاتنا، وقد يتمرد على شجرة النسب كلها، ويأتينا بملامح لا تشبه الأمس.
قد تأتي تقنية تعيد تعريف الخدمة، أو سلوك يبدّل احتياجات الناس، أو تحوّل ينقل الأولويات، أو أزمة تأتي من خارج حدود القطاع. ولذلك، قد لا يكون أخطر ما تواجهه الإدارة العامة مستقبلًا لا تعرفه، بل مستقبلًا تظن أنها تعرفه.
نجتهد في التخطيط، وربما يأخذ التخطيط من جهدنا أكثر مما يترك لبناء الجاهزية. نكتب أسرع مما نبني القدرات، ونضع الخطط أسرع مما نغيّر التشريعات، ونتحدث عن المرونة أسرع مما نصنع البدائل؛ فنسبق المستقبل على الورق، ثم يصل قبلنا في الواقع.
فالجاهزية لا تُقاس بحجم ما كتبناه عن المستقبل، بل بما غيّرناه في الحاضر استعدادًا له.
وثمة قيد آخر يصعب رؤيته؛ فالعمل المؤسسي يحب التوافق. وهذه فضيلة عند التنفيذ، لكنها قد تصبح قيدًا عند التفكير. نبحث أحيانًا عن فكرة لا تغضب أحدًا أكثر من بحثنا عن فكرة تحل المشكلة، ونهذّب المختلف حتى يصبح مألوفًا، ونخفض سقف الفكرة حتى تتسع لها حدود النظام القائم، ثم نخرج بحل مقبول وآمن... لكنه لا يأخذنا بعيدًا.
والمستقبل لا يجامل توافقاتنا.
لذلك، لا يعني التفكير خارج الصندوق مطاردة الغريب، بل امتلاك الشجاعة لمساءلة الصندوق نفسه: من رسم حدوده؟ وأي افتراضات أبقتنا داخله؟ وهل ما نعدّه اليوم قيدًا حقيقيًا، أم أنه بقايا حل صُمّم لزمن آخر؟
هنا يبدأ الاستشراف؛ ليس بمحاولة التنبؤ بما سيحدث، وإنما بزعزعة يقيننا بما نظن أنه سيحدث.
وأولى مهاراته أن نقرأ الإشارة وهي ما تزال ضعيفة. فالتحولات الكبرى لا تدخل المؤسسات دائمًا من الباب الرئيسي؛ قد تبدأ من شكوى تتكرر، أو تغيّر صغير في سلوك المستفيدين، أو تقنية لم تنضج بعد، أو ملاحظة يلتقطها موظف قريب من الناس ولا تجد طريقها إلى التقرير الرسمي.
والإشارة الضعيفة لا تستحق دائمًا قرارًا كبيرًا، لكنها تستحق سؤالًا كبيرًا: ماذا لو كبرت؟
هنا قد تصبح بذرة ابتكار؛ تجربة صغيرة، أو نموذجًا أوليًا لخدمة، أو قناة جديدة، أو مهارة نبنيها قبل أن تصبح الحاجة إليها ملحّة. فالحكمة ليست أن نقفز مع كل إشارة، ولا أن ننتظر حتى تصبح واضحة للجميع.
ومن هنا نفهم المفاجأة الاستراتيجية؛ فبعض المفاجآت لا تقع لأن الإشارات غابت، بل لأننا لم نكن مستعدين لرؤيتها، أو لأن المعلومة التي خالفت المألوف لم تجد طريقها إلى طاولة القرار. وقد تكون الإشارة أمامنا، لكن المؤسسة أكثر ارتياحًا لمن يؤكد ما تعرفه من قدرتها على سماع من يشكك فيه.
ولا تكفي الإشارات وحدها. نحتاج إلى مهارة قراءة الاتجاهات، لا باعتبارها عناوين رائجة نزيّن بها الاستراتيجيات، بل تحولات نسأل أمامها: ماذا ستغيّر في الخدمة، والمستفيد، والمهارات، والتشريعات، ودور الحكومة؟
فالاتجاه الذي لا يصل إلى سؤال يبقى معلومة، لا استشرافًا.
وحين يزداد عدم اليقين، تأتي السيناريوهات؛ لا لنختار المستقبل الذي يعجبنا، بل لنختبر قراراتنا أمام أكثر من احتمال: أين تصمد؟ وأين تنكسر؟ وما الخيارات التي ينبغي أن نبقيها مفتوحة؟ فالسؤال ليس: أي مستقبل سيحدث؟ بل: هل قراراتنا مستعدة لمستقبل لا يجامل افتراضاتنا؟
لكن المستقبل لا يُرى جيدًا من أعلى الشجرة وحدها.
نحتاج أحيانًا إلى النزول منها؛ أن يجلس صانع القرار مع من ينفّذ، والخبير مع من يستخدم الخدمة، وأن نستمع لمن يختلف معنا كما نستمع لمن يؤيدنا. فموظف الصف الأمامي يرى ما لا يظهر في التقرير، والمستفيد يلمس ما لا تقوله المؤشرات، والخبير المحلي يعرف من تفاصيل التجربة ما قد لا تحمله أفضل الممارسات المستوردة في حقائبها.
وهذه هي قيمة الاستشراف التشاركي: ألّا يحتكر أحد صورة المستقبل. بل لعل السؤال: «من غاب عن الطاولة؟» أهم أحيانًا من السؤال عمّن حضر؛ لأن الاختلاف قد يكون المعرفة التي تنقصنا.
ثم يأتي الامتحان الأصعب:
ماذا تغيّر في قرارنا لأننا رأينا أبعد؟
إذا انتهى الاستشراف بسيناريو جميل أو عرض تقديمي، فقد عرفنا شيئًا عن المستقبل، لكننا لم نستعد له. يصبح الاستشراف مؤسسيًا عندما يتحول ما رأيناه إلى خيار، وما يقلقنا إلى تجربة، وما نحتاجه إلى قدرة، وما لا نعرفه إلى شيء نراقبه.
وهنا تأتي خريطة الطريق جسرًا بين الرؤية والفعل؛ تحدد ما يبدأ الآن، وما يحتاج إلى بناء أو تجريب، وما ينبغي إبقاؤه خيارًا مفتوحًا، وأي إشارة تستدعي تغيير المسار. فالخريطة الناضجة تحدد الوجهة، لكنها لا تدّعي معرفة كل منعطف في الطريق.
ولعل هذا هو التحول الذي تحتاجه الإدارة العامة: ألّا تكتفي بأن تجيد التخطيط للمستقبل، بل أن تبني في حاضرها القدرة على التعامل معه؛ ترصد قبل أن تُفاجأ، وتجرّب قبل أن تتورط، وتسمع المختلف، وتراجع افتراضاتها قبل أن تصبح قيودًا.
فالاستشراف ليس أن نعرف ماذا سيحدث غدًا، بل أن نُحسن ما نفعله اليوم لأننا لا نعرفه.
والغد، وإن كان ابن أبيه، فليس نسخة عنه؛ قد يحمل اسم العائلة وبعض ملامحها، لكنه سيولد بوجهه هو.
لذلك، لا تُقاس جاهزية الإدارة للمستقبل بقدرتها على رسمه كما تتمنى، بل بشجاعتها في مراجعة ما افترضته عنه؛ أن تعيد النظر حين تتغير المعطيات، وأن تغيّر الطريق حين لا يعود يقود إلى الوجهة، وألّا تجعل من خطط الأمس قيودًا على قرارات الغد.
فأخطر ما يهددنا ليس مستقبلًا نجهله، بل يقينًا نحمله إليه من الماضي. وقد لا نملك أن نعرف ملامح الغد قبل أن يولد، لكننا نملك أن نقرأ إشاراته، وأن نتهيأ لاختلافه، وأن نملك شجاعة مراجعة أنفسنا قبل أن يراجع الواقع قراراتنا بطريقته.
فالمستقبل لن ينتظر طويلًا عند أبواب مؤسساتنا؛ وحين يصل، لن يسأل كم خططنا له، بل سيكشف كم كنا مستعدين حقًا لاستقباله.