حكمت النوايسة .. حين تعرف الكلمة أصحابها
محمد مطلب المجالي
28-09-2026 10:51 AM
ما كتبه الأديب والشاعر والناقد حكمت النوايسة عبر موقعه استوقفني حين قال إنه سلّم على أحد الشعراء قائلاً «قوّك يا فلان... أنا حكمت النوايسة» ويبدو أن الرجل لم يسمع باسمه فكان تعليق النوايسة «حقّه، فهو لا يقرأ، يكتب فقط».
قد تبدو الحكاية عابرة لكنها في الحقيقة تفتح باباً واسعاً على علاقة الأدباء بعضهم ببعض وعلى أهمية القراءة في معرفة المشهد الثقافي وأصحابه فالكاتب الذي يقرأ لا يكتب في فراغ يعرف من سبقه ويقدّر من حوله ويدرك أن الأدب ذاكرة متصلة لا تبدأ عنده ولا تنتهي به.
ومن هنا استحضرت موقفاً آخر يثبت أن عدم معرفة الناس بالأديب لا يعني غياب قيمته بل قد تكون القامة حاضرة في نصوصها حتى يأتي يوم تعرف فيه الكلمة صاحبها.
في منتصف ثمانينيات القرن الماضي وخلال ندوة شعرية أقيمت في مدرج كلية الآداب كان الشاعر الراحل أسامة المفتي رحمه الله يجلس بزيه العربي هادئاً متواضعاً بين الشعراء المشاركين وكان بعض الحضور يسأل عنه إذ لم يكن كثيرون يعرفونه.
وحين جاء دوره قدّمه الدكتور فواز طوقان قائلاً «والآن مع راهب القلعة... أسامة المفتي».
وما إن انتهت الندوة حتى التفّت حوله مجموعات من الحضور يسلمون عليه ويشيدون بما قدّمه في الندوة من شعر وتجربة أدبية ولم يحتج أسامة إلى أن يعرّف بنفسه فحين حضرت القصيدة حضر صاحبها.
وهنا يلتقي الموقفان فقد يجهل بعض الناس اسم الأديب لكن الأدب لا يجهل أصحابه وقد يتأخر التعارف لكن النص الصادق يجد طريقه في النهاية إلى من يستحقه.
وكثيرون من الأدباء والكتّاب والمثقفين لا يعرفهم الناس في حين يعرفون أسماء تصدّرت المشهد لأسباب أخرى فليس كل مشهور أديباً ولا كل أديب مشهوراً
وحكمت النوايسة واحد من هذه القامات أديب وشاعر وناقد ومثقف جمع بين الشعر والنقد والثقافة والتراث وترك تجربة تستحق أن تُقرأ وتُقدّر.
وللأسف الشديد فإن بعض أبناء محافظته قد لا يعرفونه كما ينبغي وهذه مفارقة مؤسفة لكنها لا تنتقص من قامته فالقيمة الأدبية لا يصنعها عدد الذين يعرفون صاحبها وإنما ما يتركه من أثر في الأدب والفكر والذاكرة.
فليس مفخرة الأديب أن يعرفه الجميع وإنما مفخرته أن يعرفه الأدب.
وحكمت النوايسة قامة أدبية وفكرية أردنية تستحق التقدير والاحتفاء شاعر له صوته وناقد له رؤيته وأديب جمع بين جمال اللغة وعمق المعرفة وظل وفياً للكلمة والتراث والإنسان.
ولعل أجمل ما في أمثال حكمت النوايسة أنهم لا يحتاجون إلى تعريف دائم فنتاجهم هو الذي يتحدث عنهم وتجربتهم هي التي تمنحهم مكانتهم وقد لا يعرفه بعض الناس وللأسف بعض أبناء محافظته لكن ذلك لا يغيّر من حقيقة واحدة أن الأدب يعرفه والشعر يعرفه والكلمة تعرف صاحبها.
فكل التحية والتقدير لهذه القامة الأردنية التي أعطت للكلمة حقها وللشعر روحه وللنقد بصيرته وللثقافة نصيباً من عمرها.
حكمت النوايسة شاعر وأديب وناقد ومثقف من أولئك الذين تصنعهم الموهبة والمعرفة والعطاء وتبقيهم الكلمة في ذاكرة الأدب.