استرحنا .. أم استراحوا منا؟
محمد مطلب المجالي
30-09-2026 08:32 PM
بعد خمسة وثلاثين عامًا وأكثر من الخدمة، لا يحتاج الموظف إلى فرقة موسيقية تودعه، ولا إلى سجادة حمراء، لكنه يحتاج إلى ما هو أبسط وأعمق: كلمة تقدير، ومصافحة صادقة، وإشارة تقول له إن السنوات التي أمضاها في المؤسسة لم تكن مجرد أرقام في ملف وظيفي.
وهنا، لا بد من لمسة عتب... فالتقاعد حق قانوني، وانتهاء الخدمة سنة طبيعية لا اعتراض عليها، لكن الذي يؤلم أحيانًا ليس مغادرة المكتب، بل الطريقة التي يغادر بها الإنسان. سنوات طويلة من العطاء تنتهي أحيانًا بإجراء إداري بارد، وكأن الموظف الذي أمضى عمره في المكان لم يكن يومًا جزءًا من حكايته.
في مؤتة، التي نفخر بها جامعة للسيف والقلم، ومؤسسة صنعت أسماءً وخرّجت أجيالًا، كنا نتمنى أن يكون الوداع على قدر البدايات، وأن يجد من أفنى عمره فيها لحظة تليق بما قدمه. لا نطلب مالًا ولا منصبًا ولا امتيازًا، وإنما التفاتة إنسانية صغيرة؛ لوحة شكر، كلمة وفاء، أو حتى جلسة وداع يشعر فيها الموظف أن المؤسسة تقول له: شكرًا لأنك كنت واحدًا منا.
فالإنسان لا يتقاعد من ذاكرته، ولا من علاقاته، ولا من سنوات عمره التي تركها خلفه في المكاتب والممرات. والمفارقة الساخرة أن الموظف قد يقضي عشرات السنين وهو مطلوب لإنجاز العمل وحل المشكلات، ثم ما إن يصل إلى باب التقاعد حتى يصبح المطلوب منه أن يسلّم العهدة والمفتاح وينصرف!
وهكذا انتهت الحكاية... استرحنا، أو استراحوا منا، وربما كانت الرصاصة أقل وقعًا من هذا الوداع!
إنها ليست شكوى، بقدر ما هي عتب محب. والعتب لا يأتي إلا من مكان بقي في القلب. ولذلك نهيب بالمسؤولين أن يراعوا مشاعر العاملين عند انتهاء خدماتهم، وأن يمنحوا المتقاعدين شيئًا من الاهتمام والاحترام؛ فهذا شعور وجداني لا يكلف المؤسسة شيئًا، لكنه قد يعني لصاحبه الكثير.
قد ينتهي المسمى الوظيفي، لكن لا ينبغي أن تنتهي معه قيمة الإنسان. نغادر مكاتبنا، لكننا لا نغادر مؤتة من قلوبنا، ولا نمحو من الذاكرة سنوات عشناها فيها. وما زال في النفس متسع للوفاء، رغم شيء من العتب.