صراع حقوق لا حرب أديان… رسالة الملك في مواجهة التشدّد
م. وائل سامي السماعين
04-10-2026 07:04 PM
في كلمته الأخيرة أمام الأمم المتحدة، وضع الملك عبدالله الثاني القضية في إطارها الصحيح: الصراع ليس حرباً بين الأديان، وإنما قضية شعب فلسطيني، بمسلميه ومسيحييه، يستحق الحقوق التي تتمتع بها سائر الشعوب. وفي تقديري، فإن هذه الرسالة تدحض خطاب المتشددين لدى الطرفين؛ سواء من العرب الذين يصوّرون الصراع مواجهة مع اليهود بسبب دينهم، أو من الإسرائيليين الذين يوظفون الدين لتبرير الاحتلال وإنكار حقوق الفلسطينيين.
أعادتني هذه الفكرة إلى عام 1976، عندما أرسلني والدي، رحمه الله، إلى المملكة المتحدة للدراسة. أتذكر أننا كنا نحو خمسة وعشرين طالباً أردنياً، وكان معنا أيضاً طلاب من دول عربية أخرى. وفي نقاشات بعض هؤلاء مع الإنجليز وغيرهم من الأجانب، كان الحديث ينزلق كثيراً إلى تصوير الحرب باعتبارها حرباً دينية، وإطلاق أحكام عامة على اليهود، بدلاً من شرح قضية الفلسطينيين وحقوقهم.
كنت أرى في ذلك انعكاساً لما ترسّخ في أذهان بعضنا من خلال التعليم والخطاب الإعلامي السائد آنذاك؛ إذ اختلط الدين بالسياسة، وغابت أحياناً الحدود بين نقد الاحتلال وإدانة أتباع دين بأكمله.
وبوصفي أردنياً مسيحياً، كنت أكثر إحساساً بخطورة هذا الخلط. فالفلسطيني المسيحي يعاني الاحتلال والتهجير والحرمان من الحقوق كما يعانيها الفلسطيني المسلم، وعدالة قضيتهما لا تستمد قوتها من الانتماء الديني، وإنما من حق الإنسان في أرضه وحريته وكرامته.
كنت مدركاً أن تحويل القضية إلى حرب دينية يمنح المتطرفين وقوداً لا ينفد؛ فكل طرف يستدعي خطاب الآخر ليبرر تشدده، وتصبح التسوية خيانة للعقيدة، ويغدو التعايش مستحيلاً في نظر من يقتاتون على الخوف والكراهية.
وهنا تكمن أهمية رسالة الملك: إعادة النقاش إلى الحقوق والعدالة، وقطع الطريق على من يحاولون تحويل النزاع إلى عداوة أبدية بين الشعوب والأديان. فالتديّن بحد ذاته ليس المشكلة؛ المشكلة في استغلاله لتبرير الظلم أو تعميم الكراهية.
إن الدفاع عن فلسطين يكون أوضح وأقوى حين نخاطب العالم بلغة الحقوق: شعب يستحق الحرية، واحتلال يجب أن ينتهي، وعدالة ينبغي أن تتحقق. أما تحويلها إلى حرب بين الأديان، فيحجب جوهر القضية ويخدم المتطرفين الذين لا يريدون لها حلاً.