facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




لم تعد الحروب تُسقط الدول، بل تعيد هندسة ضعفها


سمير حمدان - بودابست
05-10-2026 10:44 AM

لم يعد أخطر ما تفعله الحروب إسقاط الأنظمة، بل إبقاء الدول واقفة بعد تكسير قدرتها على الفعل، وهذه ليست عودة إلى منطق القوة، بل إعادة تعريف لوظيفتها، فبدل احتلال العاصمة وإدارة اليوم التالي، يجري تقليص هامش الحركة، ضرب القدرات، خنق التمويل، تعطيل الشبكات، ثم دفع الخصم إلى التفاوض من موقع أضعف، كأن الحرب لم تعد تريد امتلاك الأرض، بل امتلاك سقف القرار داخلها .

هذا هو المعنى الأعمق في خطاب جي دي فانس عن تجاوز عصر تغيير الأنظمة، فالبيت الأبيض حدد في إبريل أهداف عمليته ضد إيران بتدمير القدرات الصاروخية والبحرية، قطع دعم الوكلاء، ومنع امتلاك سلاح نووي، فيما قال فانس إن ما يحدث للنظام مسألة عرضية قياسًا إلى الهدف، أي أن العقيدة الجديدة لا تحتاج إلى إسقاط السلطة إذا أمكن انتزاع الأدوات التي تسمح لها بفرض إرادتها .

ويمكن قراءة ترامب ونتنياهو عند هذا المنطق، وإن اختلف السياق، ترامب يريد أن القوة الأميركية قادرة على الحسم دون احتلال طويل، ونتنياهو يخوض انتخابات السابع والعشرين من أكتوبر ويعيد الأمن إلى قلب صورته السياسية بعد السابع من أكتوبر، وهنا تصبح الحرب أداة ردع في الخارج، وأداة لإعادة إنتاج الثقة داخليًا .

لكن المفاجأة تبدأ بعد الضربة، لأن تدمير القدرة لا يعني تدمير الإرادة، وإضعاف الدولة لا يلغي الجغرافيا، ففي الرابع من أكتوبر بقي برنت فوق مئة دولار، رغم تعافي صادرات الشرق الأوسط، واتفقت مجموعة السبع على الإفراج عن مئة مليون برميل من الاحتياطي، فيما أبقت طهران إعادة فتح هرمز مرتبطة بشروط تفاوضية، أي أن الخصم قد يخسر جزءًا من قوته ويظل قادرًا على تصدير الكلفة إلى الاقتصاد العالمي .

وفي تقديري، هنا يجب إعادة تعريف النصر، فالنصر العملياتي يقاس بما دُمّر، أما النصر الاستراتيجي فيقاس بما أصبح ممكنًا بعد التدمير، هل تغير سلوك الخصم، هل صار التفاوض أسهل، هل انخفض احتمال الحرب التالية، أم أن ميزانًا قديمًا انهار قبل أن يولد توازن جديد قادر على ضبط الفراغ .

من هنا يظهر مفهوم يتجاوز تغيير الأنظمة، «إدارة الضعف»، أي إبقاء الخصم تحت سقف يمنعه من المبادرة، ولكن فوق مستوى الانهيار الذي ينتج الفوضى، وهذه ليست هدنة ولا سلامًا، بل منطقة رمادية طويلة، تتداخل فيها الضربات المحدودة والعقوبات المالية والحصار التكنولوجي والهجمات السيبرانية والوكلاء والضغط على الطاقة والممرات البحرية، فيما يظل باب التفاوض مفتوحًا بما يكفي لكبح الانفجار الشامل .

وهذا يعني أن حروب المستقبل قد لا تنتهي بمعاهدات سلام كما عرفها العالم، بل بترتيبات ناقصة وطويلة العمر، خطوط ردع، مراقبة دولية، عقوبات مشروطة، تفاهمات غير مكتوبة، ترتيبات بحرية، وصفقات مرحلية تضبط السلوك من دون حل جذور الصراع، أي أن إدارة الأزمة قد تحل محل إنهائها .

والأكثر جدلًا أن هذا النموذج يفصل بين من يصنع لحظة الكسر ومن يتحمل اليوم التالي، فإذا ضعفت الدولة ولم تسقط، ملأت الفراغ شبكات مسلحة واقتصادات موازية وقوى إقليمية، وإذا تعطلت التجارة دفعت الأسواق الثمن، وإذا تحولت الدولة إلى مساحة غير مستقرة، دفعت دول الجوار فاتورة الأمن والهجرة والطاقة .

وهنا يصبح النجاح العسكري فخًا، لأن قوة كبرى تكسر التوازن القديم أسرع من قدرتها على بناء توازن جديد، فتظهر دول أضعف من أن تفرض النظام، وأقوى من أن تستسلم، ويصبح العالم أمام «مستنقعات بلا جنود»، لا حرب كاملة ولا سلام مستقر، بل إدارة مستمرة لخصم يجب ألا ينتصر وألا ينهار .

لهذا لا يبدو أن عصر تغيير الأنظمة انتهى، بل تغيرت هندسته، من احتلال الأرض إلى احتلال هامش القرار، ومن إسقاط السلطة إلى تقليص قدرتها، ومن معاهدة سلام إلى إدارة دائمة للصراع .

وفي رأيي، هنا سيكون الاختبار الحقيقي لما بعد ترامب ونتنياهو، فالقوة تستطيع أن تكسر الخصم وتعيد رسم ميزان النار، لكنها لا تستطيع وحدها كتابة العقد الذي يلي الحرب، والمفارقة أن الحروب المقبلة قد تنجح في منع الهزيمة، من دون أن تعرف كيف تصنع النصر .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :