أحياناً.. لا تكون المشكلة فيمن يفعل.. ولا فيمن لا يفعل.. وإنما في ذلك الذي قرر مسبقاً.. أن لا يعجبه شيء.. ثم جلس ينتظر الفعل.. فقط ليجد فيه ما يعيبه..
فإن بادر أحدهم بعمل.. أو مبادرة.. أو نشاط إيجابي.. قيل عنه منافق.. مرائي.. مسحّج.. وصولي.. مصلحجي.. أبصر على شو ناوي..
وإن لم يبادر.. قيل عنه جبان.. لا يستحق المسؤولية.. ما عمرنا شفناه عمل إشي.. ولو كنت مكانه لفعلت وفعلت..
والأعجب.. أن الأمر لا يتوقف عند الفعل.. حتى مَن يكتب.. أصبح مطالباً بتقديم كشف حساب.. إن كتب في موضوع.. قيل له.. شو دخلك؟!.. ومين سمح لك أن تدس أنفك؟!.. وشو معرفك بهذا الموضوع؟!.. وإن لم يكتب.. قيل له.. يعني حضرتك بتتحدث في كل شيء.. لماذا لم تتحدث عن هذا الموضوع؟!..
طيب فهمونا.. نكتب.. أم لا نكتب؟!..
والذي يريد أن يستثمر.. أو يبدأ مشروعاً.. سيجد مَن يشرح له لماذا سيفشل قبل أن يبدأ.. والذي يريد أن يطلق مبادرة لخدمة الناس.. سيجد مَن يسأله عن نيته
قبل أن يسأله عن نتائجها.. وكأن بعضنا لا يريد نجاح الفكرة بقدر ما يريد إثبات.. أن صاحبها مخطئ..
والمسؤول ليس أفضل حالاً.. إن أنشأ حديقة عامة.. قالوا.. خلصت كل مشاكل البلد وما ظل غير حديقة؟!.. وإن لم ينشئها.. قالوا.. وين الناس بدها تقعد وتغيّر نفسيتها في ظل هالظروف؟!..
وإن خطط الطرق.. وفصل المسارات.. ووضح معالمها.. قالوا.. بدل ما يصرف هالمبلغ على هيك شغلة.. يعمل فيه شيء أهم.. وإن تركها بلا تخطيط واضح.. قالوا.. الواحد مش عارف يمشي.. ولا عارف كم مسرب في الشارع..
وهنا تصبح الحكاية أكبر من مجرد نقد.. لأن النقد يبحث عن الخلل ليصلحه.. أما هؤلاء فيبحثون عن الخلل.. لكي يثبتوا أن لا شيء يستحق الإعجاب..
هؤلاء لا يقدمون بديلاً.. ولا يقترحون حلاً.. ولا يحملون حجراً في البناء.. لكنهم بارعون في كسر مجاديف مَن يحاول..
وكما يقول المثل الشعبي.. يجحشون الأصيلة.. فإذا رأوا أحداً يتحرك.. حاولوا أن يجعلوه يندم على حركته..
والنتيجة؟!..
أن المواطن يحتار.. والمسؤول يحتار.. وصاحب المبادرة يحتار.. والكاتب يحتار.. حتى يصل الجميع إلى تلك الجملة.. التي تختصر المشهد كله..
إحترنا يا قرعة.. من وين نبوسك؟!..
لكن المصيبة الحقيقية.. ليست في أننا ننتقد.. فالنقد حق.. بل في أن يصبح بعض الناس مقتنعين.. بأن مهمتهم الوحيدة هي.. أن يمنعوا الآخرين من أن يفعلوا شيئاً.. ثم يشتكوا بعد ذلك.. بأن لا أحد يفعل شيئاً..
وهنا فقط.. اسأل نفسك.. قبل أن تكسر مجاديف شخص يحاول..
ماذا قدمت أنت؟!..