منتديات الفكر في الأردن .. كيف تنضج الأفكار ويُصنع الأثر؟
م. سعيد المصري
07-10-2026 09:06 AM
يفتح تقرير منتدى الاستراتيجيات الأردني، «المراكز الفكرية: قراءة في الانتشار والتأثير والتحديات عالميًا»، بابًا مهمًا لمناقشة دور المؤسسات الفكرية في ربط المعرفة بصناعة السياسات العامة. ويستحق هذا الموضوع أن ننتقل به إلى تأمل تجربتنا الأردنية: كيف تعمل منتدياتنا الفكرية؟ وكيف تُدار النقاشات داخلها؟ وماذا يحدث للأفكار بعد انتهاء الجلسات؟
ومن واقع مشاركتي في لقاءات وحوارات فكرية وسياسية واقتصادية، أرى أن هناك حاجة إلى مراجعة الطريقة التي تُنظَّم بها هذه الأنشطة، وكيفية الاستفادة من الخبرات المتنوعة التي تستقطبها. فكثيرًا ما تُطرح أفكار جديرة بالتطوير، وتظهر اختلافات تستحق البحث، ثم ينتهي اللقاء دون أن يتضح للمشاركين ما سيؤول إليه ما قدموه.
ولا تتطابق وظائف المنتديات الحوارية مع وظائف مراكز الأبحاث؛ ولذلك ينبغي تقييم كل مؤسسة وفق رسالتها المعلنة، مع مساءلتها عن مدى الوفاء بما تعد به من حوار أو بحث أو تأثير في السياسات العامة. فللقاءات الحوارية قيمة في توسيع المعرفة وإتاحة التواصل، بينما تحتاج المؤسسة التي تتطلع إلى تطوير السياسات إلى قدرات بحثية وآليات متابعة تتناسب مع هذا الدور.
وتختلف المؤسسات في إمكاناتها ومستوى أدائها، فلا يصح تعميم حكم واحد عليها جميعًا. لكن وضوح الوظيفة، وحسن إدارة الحوار، وأمانة عرض نتائجه، تظل متطلبات أساسية لتعزيز الثقة بعملها والاستفادة منه.
أولًا: الحوكمة وعلاقة المؤسسة بمؤسسها
من الطبيعي أن ينطلق تأسيس المنتدى من رؤية شخص أو مجموعة تؤمن بالحوار والعمل الفكري. وقد تكون خبرة المؤسسين وعلاقاتهم وقدرتهم على جمع المشاركين عاملًا أساسيًا في نجاحه. غير أن استدامة المؤسسة وتطورها يتطلبان قواعد واضحة لاختيار الأولويات، وإدارة النقاش، ومراجعة المخرجات، وتوزيع المسؤوليات.
ويظهر الخلل عندما تظل توجهات المؤسس أو المدير هي المرجعية الغالبة في تحديد الموضوعات والمتحدثين وحدود البحث، دون مساحة مؤسسية كافية لمراجعة تلك التوجهات أو اقتراح أولويات مختلفة. ففي هذه الحالة قد تتقلص فرص اختبار الافتراضات التي تنطلق منها المؤسسة، ويصبح تنوع المشاركين أوسع من تنوع الأفكار التي تجد طريقها إلى التبني والنشر.
والحوكمة في المؤسسات الفكرية تشمل، إلى جانب الجوانب الإدارية والمالية، طريقة إنتاج المعرفة نفسها: من يحدد السؤال البحثي؟ ومن يختار الخبراء؟ وكيف تُراجع الدراسات؟ وما القواعد التي تحكم نسبة الآراء إلى أصحابها؟ وكيف يُضمن أن يكون الاختلاف الفكري مقبولًا ومؤثرًا في العمل؟
وتشمل الحوكمة أيضًا وضوح مصادر التمويل وشروطه، والإفصاح عن تضارب المصالح، وصون استقلال الباحثين في اختيار مناهجهم وعرض نتائجهم. كما أن وجود توجه فكري معلن للمؤسسة يظل مشروعًا، ما دام لا يحول دون اختبار افتراضاتها أو عرض الأدلة التي تخالفها.
وبهذه القواعد تستطيع المؤسسة أن تحافظ على هويتها، وتتيح في الوقت نفسه مراجعة أفكارها وتطويرها.
ثانيًا: وضوح وظيفة المنتدى ومستوى النقاش
هناك فرق بين لقاء هدفه التوعية العامة، وحوار لتبادل وجهات النظر، وورشة متخصصة لإعداد خيارات أو توصيات. ولكل منها قيمة ومتطلبات مختلفة من حيث اختيار المشاركين، وإعداد المادة، وإدارة الوقت، والمخرجات المتوقعة.
وحين لا يكون الهدف محددًا، قد يجتمع في الجلسة الواحدة من يقدم قراءة عامة للمشهد، ومن يناقش تفصيلًا فنيًا، ومن يعرض موقفًا سياسيًا، ومن ينتظر الوصول إلى توصية عملية. عندها تتجاور المداخلات دون أن تتفاعل بالقدر الكافي، ويصعب الحكم على ما أنجزته الجلسة.
كما أن تفاوت مستويات التخصص والخبرة يحتاج إلى إدارة واعية. فالخبرة التنفيذية، والمعرفة الأكاديمية، والرأي السياسي، والتجربة المجتمعية يمكن أن يكمل بعضها بعضًا إذا ارتبطت بسؤال واضح. أما ترك النقاش مفتوحًا بلا إطار، فقد يحول هذا التنوع إلى تشعب يستهلك الوقت ويضعف التركيز.
ومن هنا، ينبغي أن يعرف المدعو مسبقًا لماذا يشارك، وما السؤال المطلوب منه معالجته، وما نوع المساهمة المنتظرة، وكيف ستُستخدم حصيلة اللقاء. وتزداد فائدة الحوار حين تسبقه ورقة موجزة تضع الوقائع الأساسية والأسئلة المحددة أمام الجميع، وتساعدهم على بناء مداخلاتهم على أرضية معرفية مشتركة، مع بقاء المجال مفتوحًا لاختلاف التفسير والاجتهاد.
ثالثًا: إدارة الوقت وإتاحة الفرصة لنضج الأفكار
تخصيص وقت محدد لكل متحدث ضروري لضمان عدالة المشاركة، لكن القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية المركبة يصعب استيفاؤها في مداخلات قصيرة، خصوصًا عندما يحتاج صاحب الفكرة إلى شرح مقدماتها وأدلتها وشروط تطبيقها.
وفي بعض اللقاءات، يُستهلك معظم الوقت في عرض المواقف الأولية، فلا تتبقى مساحة كافية للاستفسار والرد واختبار المقترحات. وقد تنتهي الجلسة عند النقطة التي يبدأ فيها النقاش الأكثر فائدة، بعدما تكون المداخلات قد كشفت عن أسئلة أو تعارضات لم تكن واضحة في البداية.
ولا تتطلب المعالجة إطالة الاجتماعات بالضرورة، بل تحسين إعدادها وتوزيع وقتها. فاستلام أوراق أو ملاحظات مسبقة يتيح اختصار العرض الشفهي، وتخصيص مساحة أكبر لمناقشة الأدلة والبدائل. كما يمكن توجيه كل جلسة إلى جانب محدد من القضية بدل محاولة تناولها بكامل أبعادها دفعة واحدة، مع إتاحة استكمال المساهمات كتابةً عند الحاجة.
ويتحمل المشاركون بدورهم مسؤولية الالتزام بالسؤال المطروح، والتحضير للمداخلة، وتجنب التكرار والاستطراد. كما يحتاج مدير الجلسة إلى معرفة بالموضوع وقدرة على وصل المداخلات بعضها ببعض، وطلب التوضيح، وإعادة النقاش إلى مساره، إلى جانب ضبط الوقت. فحسن إدارة الحوار يساعد على كشف نقاط الالتقاء والخلاف، ويمنح الوقت المتاح قيمة أكبر.
رابعًا: إدارة الاختلاف الفكري وغياب التغذية الراجعة
قد تتعدد التوجهات داخل الجلسة الواحدة بعدد المتحدثين، نتيجة اختلاف مرجعياتهم وتعريفهم للمشكلة وأولويات معالجتها. وقد تتداخل التشخيصات والمقترحات والاعتراضات، بحيث تحتاج حصيلة الحوار نفسها إلى عمل بحثي وتحريري لفهمها وتنظيمها.
ومع ضيق الوقت وتشعب الحديث، يصعب اختبار هذه الطروحات وتطويرها، وقد تُختتم هذه الجلسات دون مسار واضح لمتابعتها. وتتفاقم المشكلة عندما لا تُرسل إلى المشاركين حصيلة النقاش لمراجعتها والتعقيب عليها، فيُطوى الموضوع، أو يصدر المنتدى تقريرًا يعكس اجتهاد إدارته دون توضيح مدى تعبيره عن آراء الحاضرين.
والمطلوب آلية مؤسسية لتوثيق الطروحات وفرز المتقارب والمتكامل والمتعارض منها، وتحديد ما يحتاج إلى بحث إضافي، ثم إعادة حصيلة مكتوبة إلى المشاركين للتصحيح والتعقيب. وتتيح هذه الخطوة التأكد من أن الأفكار قد فُهمت بدقة، وتمنح أصحابها فرصة لتطويرها في ضوء ما سمعوه من الآخرين.
وتهدف هذه المراجعة إلى التأكد من دقة تمثيل المداخلات، مع احترام قواعد السرية المتفق عليها، دون منح أي مشارك حق منع نشر آراء الآخرين أو اشتراط موافقته على الموقف المستقل للمؤسسة.
وليس من الضروري الوصول إلى توافق شامل؛ فقد تكون النتيجة تحديدًا دقيقًا لمواضع الخلاف وشروط معالجتها. فنضج الفكرة يتطلب اختبار أدلتها وفهم آثارها وحدودها، وقد تبقى بعد ذلك موضع اختلاف مشروع.
كما ينبغي التمييز بوضوح بين ملخص أمين للنقاش، وورقة تعبر عن موقف المنتدى، وتوصيات مشتركة وافق عليها المشاركون. فمن حق المؤسسة أن تتبنى اجتهادًا خاصًا بها، على أن توضح ذلك؛ فمجرد حضور المشاركين لا يعني إقرارهم بما يُنشر لاحقًا.
خامسًا: استمرارية العمل والمسؤولية عن المخرجات
تحتاج الأفكار إلى جهة تتولى رعايتها بعد انتهاء اللقاء. فإذا لم تُسند مهمة المتابعة إلى باحث أو مقرر متخصص أو فريق صغير، يصبح من السهل أن تبدأ كل جلسة من جديد، وأن تتكرر القضايا والملاحظات دون تراكم معرفي يمكن البناء عليه.
وتشمل هذه المسؤولية مراجعة الأدلة، وتطوير المقترحات، وتحديد الأسئلة التي بقيت مفتوحة، وإعداد الصيغة المناسبة لعرض النتائج على الجهات المعنية، ثم متابعة ما إذا كانت تستدعي بحثًا آخر أو تعديلًا أو نقاشًا أوسع. ويحدد نطاق هذه المهام وفق طبيعة المؤسسة وهدف النشاط، بحيث تكون الالتزامات واقعية وقابلة للإنجاز.
وأدرك أن محدودية التمويل والكوادر قد تحول دون متابعة كل موضوع بالقدر نفسه. ولذلك تبرز أهمية اختيار عدد من الأولويات التي تستطيع المؤسسة العمل عليها بصورة متصلة، وتخصيص جهد واضح لها، وبناء شراكات بحثية عند الحاجة لتوفير الخبرات التي لا تتوافر داخلها.
ويبدأ ذلك بتحديد مخرج واقعي لكل نشاط، وتسمية من يتولى استكماله، ووضع موعد مناسب لإنجازه. كما يفيد الاحتفاظ بسجل معرفي للموضوعات المطروحة وما أُنجز بشأنها، حتى تستطيع المؤسسة والمشاركون العودة إليه والبناء عليه، وتقييم مدى تقدم العمل بمرور الوقت.
وتكتمل هذه العملية بوجود استعداد لدى الجهات المعنية لاستقبال المعرفة ومناقشتها، وإيضاح أسباب الأخذ بالمقترحات أو تجاوزها. فالتأثير مسؤولية متبادلة، ولا يُقاس حصريًا بتبني توصية مباشرة؛ فقد يظهر أيضًا في تصحيح فهم سائد، أو إدخال قضية مهملة إلى النقاش العام، أو تحسين الخيارات المتاحة لصانع القرار.
إن الأردن بحاجة إلى مؤسسات فكرية تستثمر خبراته المتنوعة، وتوفر مساحة جادة للاختلاف والبحث، وتساعد على بلورة خيارات واضحة في مواجهة تحدياته. وتزداد قيمة هذه المؤسسات حين يستطيع المشارك أن يتتبع أثر مساهمته، ويستطيع القارئ أن يميز بين الآراء والأدلة والاستنتاجات، ويجد صانع القرار أمامه مقترحات ناضجة تبين شروط تنفيذها وآثارها المتوقعة.
وتلك مسؤولية تتشارك فيها إدارة المؤسسة وباحثوها، ومديرو جلساتها والمشاركون فيها، والجهات التي تتلقى إنتاجها. وبقدر ما تتصل هذه الأدوار ضمن عمل مؤسسي مستمر، تتاح للأفكار فرصة النضج، وللحوار فرصة إحداث أثر يتجاوز حدود الجلسة.