قرات على صفحات وكالة عمون الإخبارية وثيقة تاريخية بخط يد الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه، تتعلق بطلب انتساب سمو الأمير علي بن الحسين إلى الكلية العلمية الإسلامية عام 1980، وفي الخانة الاخيرة من نموذج الطلب : مهنة الأب ، فكتب جلالة المغفور له الملك الحسين: "كبير الأسرة وخادمها".
نعم ، جملة اختارها الملك الحسين لوصف نفسه في خانة المهنة : «كبير الأسرة وخادمها." ومن اللافت أن الملف يثبت أن الوثيقة هي نموذج طلب انتساب للأمير علي بن الحسين إلى الكلية العلمية الإسلامية للمرحلة التمهيدية عام 1980، وأن الملك الحسين هو الذي ملأها بخط يده.
هذه الوثيقة في تقديري كانت وثيقة قيم قبل أن تكون وثيقة إدارية. السؤال في النموذج هو: ما المهنة ؟ والإجابة المتوقعة في المنطق الإداري الحديث تكون اسم وظيفة أو منصب : ملك، رئيس، مسؤول ، أو ما إلى ذلك. لكن الحسين لم يكتب لقباً سياسياً ، ولم يقدّم نفسه من خلال سلطته الدستورية، بل كتب: "كبير الأسرة وخادمها»" وهنا تكمن قيمة الوثيقة.
فهو جمع في تركيب لغوي قصير بين كلمتين تبدوان لأول وهلة متباعدتين: الكِبَر والخدمة.« "فكبير الأسرة» تعني المسؤولية، والرعاية، والمرجعية ، وحمل أعباء الجماعة. أما «خادمها» فتنزع عن هذه المكانة معنى الامتياز الشخصي ، وتعيدها إلى معنى الواجب.
أي أن من يتقدم على الأسرة في المكانة يتقدم عليها أيضاً في المسؤولية. وهذه، في رأيي، واحدة من أعمق الأفكار التي يمكن أن تُستخرج من الوثيقة. فالقيادة هنا ليست امتلاكاً للأسرة، وإنما قياماً عليها.وليست سلطة على أفرادها، وإنما خدمة لهم وحماية لمصالحهم ورعاية لوحدتهم.
والأعمق من ذلك ان الحسين لم يقل " كبير الأسرة وسيدها" ، بل قال: «كبير الأسرة وخادمها.وهذا التحول من «السيد» إلى «الخادم» مهم جداً ؛ لأنه يضع الأخلاق قبل السلطة.
في هذا التصور، لا تكون قيمة الكبير فيما يملك من امتياز، وإنما فيما يتحمل من أعباء.وهذا قريب جداً من جوهر الفكر المحافظ في معناه الأخلاقي والاجتماعي: المكانة الاجتماعية ليست رخصة للاستعلاء، بل تكليف بحفظ الجماعة واستمرارها.
ولذلك يمكن أن نقرأ العبارة باعتبارها تصوراً للعائلة باعتبارها مؤسسة للمسؤولية، لا مجرد علاقة بيولوجية. كما ان الوثيقة تقول شيئاً آخر شديد الأهمية ، فهي تُظهر الملك الحسين في موقف عائلي عادي جداً: أب يملأ طلب الالتحاق المدرسي لابنه. والوثيقة، بحسب المادة المنشورة، تخص التحاق الأمير علي بالكلية العلمية الإسلامية عام 1980.
وهذا الجانب الإنساني مهم.
فالتاريخ السياسي عادةً يُظهر الملوك من خلال القرارات والمعاهدات والحروب والمناسبات الكبرى، بينما تكشف مثل هذه الأوراق الصغيرة الإنسان خلف المنصب. وربما لهذا تكون الوثائق الشخصية أحياناً أكثر تأثيراً من الخطب؛ لأنها لا تخبرنا كيف أراد الحاكم أن يظهر أمام الناس، بل تكشف كيف قدّم نفسه في موقف يومي بسيط.
كما ان هناك دلالة سياسية غير مباشرة تكشف تصوراً للعلاقة بين السلطة والجماعة يمكن أن يمتد من الأسرة إلى المجتمع والدولة، مع ضرورة الانتباه إلى أن هذا استنتاج تحليلي وليس تصريحاً من الوثيقة نفسها.
فالقاعدة التي يمكن استخلاصها هي :كلما ارتفعت مكانة الإنسان ، ارتفعت مسؤوليته عن الجماعة. وهذا تصور مختلف عن السلطة بوصفها امتيازاً. إنه تصور يرى ان القيادة أمانة.ومن هنا تصبح عبارة «خادمها» أهم ربما من عبارة «كبيرها» لأنها تقول إن الكِبَر الحقيقي ليس في أن يكون الناس في خدمة القائد، وإنما في أن يشعر القائد بأنه في خدمة من يتولى أمرهم.
ومن زاوية الأسرة فان الوثيقة ذات قيمة استثنائية إذا قرأناها في إطار مفهوم الأسرة العربية والأردنية. الأسرة التقليدية لم تكن مجرد وحدة سكنية، بل كانت تقوم على: المرجعية، والرعاية، والتضامن، والمسؤولية المتبادلة، وحفظ المكانة، ونقل القيم بين الأجيال.
وعندما يقول الأب عن نفسه «كبير الأسرة وخادمها»، فإنه يختصر في أربع كلمات تقريباً فلسفة كاملة: الكبير يحمي، والكبير يرعى، والكبير يتحمل، والكبير يخدم.وهذا هو الجانب الذي يجعل الوثيقة ذات صلة مباشرة بفهم الأمن الاجتماعي أيضاً؛ لأن الأسرة التي تنتج المسؤولية والانتماء والتضامن تنتج، بصورة غير مباشرة، مجتمعاً أكثر قدرة على حماية نفسه والتماسك في مواجهة الأزمات.
أما من زاوية الفكر المحافظ فان الوثيقة تصبح أكثر أهمية. لان الفكر المحافظ الحقيقي لا يقوم فقط على المحافظة على الماضي، بل على حماية الروابط الاجتماعية التي تجعل المجتمع قابلاً للاستمرار.
والأجمل أن الحسين لم يحتج إلى خطاب طويل ، لم يشرح فلسفته. ولم يكتب فقرة عن المسؤولية. ولم يضع شعاراً. كتب فقط في خانة " المهنة" : "كبير الأسرة وخادمها "وهنا تكمن قوة الوثيقة التاريخية: أنها تقدم فكرة كبيرة في عبارة صغيرة، وسلوكاً عملياً بدل الخطاب النظري.
رحم الله الملك الحسين الباني ، الملك الانسان كبير الاسرة الاردنية الهاشمية و سيدها ، وها هو الملك المعزز عبدالله الثاني يسير على ذات الخطى، ويتقدم بمبادرات تفيض حكمة ومواقف تكتب بماء الذهب، وهذا ديدن الهاشميون كابرعن كابر.
رحم الله الحسين ، ابا الاردنيين ، وحمى الله المملكة الاردنية الهاشمية وجلالة الملك عبد الله الثاني وولي عهده الامين .