facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




متى تتحول "النافذة الديموغرافية" من أزمة إلى فرصة؟


المحامي معن عبداللطيف العواملة
15-10-2026 03:00 PM

يقف المشهد الشبابي في الأردن اليوم على مفترق طرق، ففي الوقت الذي نتحدث فيه بفخر عن كون مجتمعنا فتياً، وأن الشباب دون سن الثلاثين يشكلون الأغلبية من تعدادنا السكاني، نجد أنفسنا أمام تحدٍ يهدد بتحويل هذه الهبة الديموغرافية إلى أزمة مستعصية. ما يُعرف في علم الاقتصاد السياسي بالنافذة الديموغرافية، وهي اللحظة التاريخية التي يُفترض أن تقفز فيها معدلات النمو والإنتاجية اعتمادا على فئة الشباب، تصطدم يومياً بواقع اقتصادي ضاغط، يدفع بخيرة كفاءاتنا نحو الهجرة المرحلية او الكاملة.

لم تعد هجرة العقول في قاموسنا الأردني مجرد خيار فردي مؤقت لتحسين الدخل أو بناء الذات، بل تحولت إلى ظاهرة بنيوية عميقة ونزيف مستمر، يلقي بظلاله الثقيلة على مستقبل التنمية، ويعيق محاولات تجديد النخب الاجتماعية و السياسية والاقتصادية في البلاد. نحن أمام مفارقة اقتصادية قاسية، فالدولة والمجتمع الأردني يستثمران الغالي والنفيس في تعليم الأبناء، وتتحمل الأسر الأردنية ديوناً وقروضاً لتخريج أطباء ومهندسين ومبرمجين وخبراء على أعلى المستويات، لتأتي النتيجة بأن تُقطف ثمار هذا الاستثمار في أسواق عمل خارجية جاهزة لاستيعابهم دون أن تتكلف قرشاً واحداً في تأسيسهم. صحيح أن لا أحد ينكر الدور الحيوي لحوالات المغتربين في دعم السيولة في البلد، لكن الاعتماد عليها كمسكن اقتصادي يعكس تشوهاً هيكلياً. فهذه الأموال، على أهميتها، تدعم الاستهلاك وتدفع عجلة الحياة اليومية، لكنها لا تبني مصانع، ولا تخلق تكنولوجيا، ولا تؤسس لتنمية مستدامة.

ان خروج الآلاف من الشباب الجامعي والمثقف من المشهد اليومي يعني فعلياً إفراغ الساحة المحلية من الكتلة الحرجة القادرة على صناعة التغيير. في الوقت الذي تسعى فيه الدولة لإنجاح مسار التحديث السياسي وإدماج الشباب في الحياة العامة، نجد أن هجرة هذه الفئة تُبقي دفة العمل العام تدور في فلك النخب التقليدية. اضافة الى ذلك، فان نجاح المهاجرين في الخارج يرسخ في وعي الشباب في الوطن فكرة الخلاص الفردي، مما يعمق حالة العزوف عن المشاركة في الشأن العام، و يشجع على الخطاب السياسي السلبي المعارض في الخارج عبر منصات التواصل الاجتماعي.

تدرك الحكومات المتعاقبة حجم الأزمة، وقد جاءت رؤية التحديث الاقتصادي بطموح توفير مليون فرصة عمل خلال العقد القادم كمحاولة جادة لاحتواء هذا الضغط. لكن تحقيق هذا الهدف لا يتم بالنوايا الحسنة وحدها، بل يتطلب ثورة حقيقية في بيئة الاستثمار، ومعدلات نمو في القطاع الخاص تتجاوز بكثير ما نحققه اليوم، والأهم من ذلك، ربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل الحديث.

لا تبنى الأوطان بحوالات المغتربين وحدها، مهما بلغت قيمتها. التعامل الاستراتيجي مع ظاهرة هجرة العقول يتطلب من صانع القرار الأردني تحولاً جذرياً في النظرة إلى هذه الكفاءات، ليس بوصفها مجرد أرقام تصدير، بل كشركاء وطنيين يجب استعادتهم عبر سياسات فعلية للتمكين.

ان إرساء قواعد تكافؤ الفرص، وخلق بيئة حاضنة للابتكار، لم تعد ترفاً تنظيرياً نكتبه في المقالات والخطط، بل هي شروط بقاء سيادية لمنع نافذتنا الديموغرافية من التحول إلى ثقب أسود يبتلع مستقبلنا. شبابنا هم نفط الأردن وثروته الحقيقية، و هم فرصتنا للنهوض.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :