معيقات العمل الحزبي: من البيئة الداخلية للأحزاب إلى البيئة الخارجية
د. بركات النمر العبادي
15-10-2026 03:14 PM
لا يكتمل الحديث عن مستقبل العمل الحزبي في الأردن بمجرد النظر إلى القوانين والتشريعات أو إلى عدد الأحزاب والمنتسبين إليها ؛ فالحزب، في جوهره، مؤسسة سياسية واجتماعية وثقافية، تتأثر ببيئتها الداخلية كما تتأثر بالبيئة المحيطة بها. ولذلك فإن فهم معيقات العمل الحزبي يقتضي الانتقال من داخل الحزب إلى خارجه، ومن البناء التنظيمي إلى الثقافة السياسية والاجتماعية التي يعمل في إطارها. ونكت في ذلك تشخيصا لواقع الاحزاب المعاش الا من رحم ربي .
لقد أسهم مسار التحديث السياسي الذي اراده جلالة الملك في تعزيز موقع الأحزاب بوصفها إحدى أدوات العمل السياسي والبرلماني ، مع توجه واضح نحو الانتقال من العمل الفردي إلى العمل الجماعي والبرامجي. غير أن بناء حياة حزبية راسخة يحتاج إلى أكثر من النصوص القانونية ؛ فهو يحتاج إلى أحزاب قادرة على بناء الثقة، وإلى مجتمع يرى في الحزب وسيلة للمشاركة لا مجرد إطار انتخابي:
أولًا: معيقات البيئة الداخلية للأحزاب : تبدأ المشكلة من الحزب نفسه حين لا يمتلك بناءً مؤسسيًا واضحًا، أو حين تظل القيادة أقوى من المؤسسة ، ويصبح الحزب مرتبطًا بشخصياته أكثر من ارتباطه بفكرته وبرنامجه. ومن أبرز التحديات ، ضعف الديمقراطية الداخلية ، ومحدودية تداول القيادة ، وضعف آليات المشاركة في صناعة القرار، إلى جانب الخلافات التنظيمية والشخصنة والانقسامات التي قد تستنزف طاقة الحزب قبل أن تصل إلى المجتمع.
ولهذا اكتسبت الحوكمة الداخلية أهمية متزايدة في التجربة الأردنية ؛ إذ وضعت الهيئة المستقلة للانتخاب معايير تتعلق بانتخاب الهيئات القيادية ، ومدد الولاية ، وآليات الفصل في النزاعات داخل الحزب.كما تواجه بعض الأحزاب تحديًا آخر يتمثل في الانتقال من الشعار إلى البرنامج. فالحزب الذي لا يقدم حلولًا واضحة وقابلة للنقاش لقضايا الاقتصاد والتعليم والعمل والخدمات والإدارة العامة، يصعب عليه أن يقنع المواطن بأن وجوده يتجاوز موسم الانتخابات. وقد شددت الهيئة المستقلة للانتخاب على أهمية البرامج الواقعية والمحددة في بناء علاقة جديدة بين الحزب والناخب.
ويضاف إلى ذلك ضعف التأهيل السياسي والفكري لبعض الكوادر، والحاجة إلى بناء قيادات جديدة قادرة على الحوار وإدارة الاختلاف وصياغة السياسات العامة. فالحزب لا يبنى بكثرة الأعضاء وحدها، وإنما بقدرته على إنتاج القيادات والأفكار والسياسات.
ثانيًا: معيقات البيئة الاجتماعية : لا يعمل الحزب في فراغ، وإنما داخل مجتمع له ذاكرته وتجربته السياسية ومخاوفه وتقاليده.وقد تركت التجارب السابقة أثرًا في علاقة المواطن بالعمل الحزبي، كما أن بعض المواطنين لا يزالون ينظرون إلى الانتساب الحزبي بحذر، أو يفضلون العلاقات الشخصية والمحلية على التنظيم السياسي البرامجي.وهنا تظهر إحدى أهم المعضلات: كيف ينتقل المجتمع من ثقافة الشخص إلى المؤسسة، ومن العلاقة الفردية إلى البرنامج، ومن الولاء للأشخاص إلى الاختيار السياسي القائم على الأفكار؟ إن هذا الانتقال يحتاج إلى وقت وتراكم وتجربة، ولا يمكن اختصاره بمجرد إصدار القوانين.
ثالثًا: الشباب والمرأة : يمثل الشباب والمرأة عنصرين أساسيين في مستقبل الحياة الحزبية، لكن التحدي لا يكمن في زيادة أعدادهم داخل الأحزاب فقط، وإنما في تحويل حضورهم إلى مشاركة مؤثرة في صناعة القرار. فالمشاركة الحقيقية تعني أن يكون للشباب والنساء دور في صياغة البرامج والقيادة وصناعة المواقف، لا أن يكون حضورهم مجرد استجابة لمتطلبات شكلية. وقد أكدت الهيئة المستقلة للانتخاب أن مستقبل العمل الحزبي يرتبط بمشاركة الشباب وقدرتهم على أداء دور فاعل في الحياة السياسية.
رابعًا: الثقافة السياسية والإعلامي : تحتاج الحياة الحزبية إلى بيئة ثقافية تتقبل الاختلاف باعتباره جزءًا طبيعيًا من التعددية. فالحزب ليس مؤسسة لإنتاج الإجماع، بل إطار لتنظيم الاختلاف حول البرامج والسياسات ضمن الدستور والقانون. ولذلك فإن تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة شخصية، أو النظر إلى الاختلاف باعتباره تهديدًا، يضعف الحياة الحزبية ويجعل المواطن أكثر ترددًا في الانخراط فيها. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت طبيعة الخطاب السياسي؛ فأصبحت الأحزاب مطالبة بأن تخاطب جيلًا يبحث عن المعلومة السريعة والموقف الواضح، دون أن تتحول السياسة إلى مجرد شعارات أو ردود أفعال لحظية.
خامسًا: البيئة التشريعية والمؤسسية :لا يمكن إغفال أثر البيئة التشريعية والمؤسسية في تطور العمل الحزبي. فالقوانين تحدد الإطار الذي تتحرك فيه الأحزاب، والمؤسسات العامة مسؤولة عن ضمان تطبيقه بصورة متساوية وشفافة.وفي الأردن، يمثل قانون الأحزاب وقانون الانتخاب جزءًا من مسار التحديث السياسي الذي يستهدف تعزيز العمل الحزبي البرامجي والوصول تدريجيًا إلى برلمانات أكثر حزبية.
سادسًا: البيئة الاقتصادية والموارد : العمل الحزبي يحتاج إلى موارد تمكنه من بناء مقراته، وتطوير كوادره، وإجراء الدراسات، والتواصل مع المواطنين. لكن التمويل في الوقت نفسه يحتاج إلى شفافية وضوابط تمنع تحول المال إلى مصدر للنفوذ السياسي داخل الحزب أو خارجه. ولذلك أصبحت الحوكمة المالية والتدقيق والشفافية جزءًا أساسيًا من بناء الثقة في الأحزاب
سابعًا: البيئة الإقليمية : لا يمكن قراءة العمل الحزبي الأردني بمعزل عن البيئة الإقليمية المضطربة. فالأردن يعيش في إقليم تتداخل فيه الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية، وتنعكس تداعياتها على المزاج العام وأولويات المواطن.وفي مثل هذه البيئة، قد تتراجع القضايا الحزبية الداخلية أمام قضايا الأمن الوطني والاستقرار والاقتصاد وتداعيات الأزمات الإقليمية.
ثامنًا: من الحزب الانتخابي إلى الحزب الوطني : ربما يكون التحدي الأكبر هو الانتقال من حزب يظهر في الانتخابات إلى حزب يعيش في المجتمع.فالحزب الحقيقي لا يبدأ نشاطه عند اقتراب الانتخابات ولا ينتهي بانتهائها؛ بل يكون حاضرًا في النقاش العام، وفي الجامعات والنقابات والمجتمع المحلي، ويقدم الدراسات والمقترحات ويراقب السياسات العامة ويطور كوادره.وهذا هو الفارق بين الحزب بوصفه عنوانًا تنظيميًا والحزب بوصفه مؤسسة وطنية لإنتاج الأفكار والقيادات والسياسات.
الخلاصة: بناء الثقة قبل توسيع التنظيم: إن معيقات العمل الحزبي ليست داخلية بالكامل ولا خارجية بالكامل. فهي تقع في منطقة مشتركة بين الحزب والمجتمع والدولة والثقافة السياسية والظروف الإقليمية. ولذلك فإن معالجة هذه المعيقات تبدأ بإصلاح الحزب من داخله: مؤسسة لا شخصًا، برنامجًا لا شعارًا، تداولًا لا احتكارًا، وكفاءة لا مجرد عضوية.
فالعمل الحزبي لا ينضج بمجرد كثرة الأحزاب، كما لا ينضج بمجرد كثرة الأعضاء، وإنما ينضج عندما يصبح الحزب وسيلة طبيعية لمشاركة المواطن في الشأن العام، وقناة لإنتاج القيادات والسياسات، وجسرًا بين المجتمع والدولة.
وفي التجربة الأردنية، قد يكون التحدي الحقيقي في السنوات المقبلة هو الانتقال من مرحلة تأسيس الحياة الحزبية إلى ترسيخ الثقافة الحزبية؛ أي أن يصبح الحزب جزءًا من الحياة العامة اليومية، لا مجرد عنوان في موسم الانتخابات.
وهنا تتكامل مسؤولية الحزب والمجتمع والدولة: فالدولة تهيئ الإطار، والمجتمع يمنح الشرعية الاجتماعية ، والحزب يثبت جدارته بالممارسة. وعندما تتفاعل هذه العناصر، يصبح العمل الحزبي جزءًا من الاستقرار السياسي والتحديث الوطني، لا عبئًا عليه.
حمى الله المملكة الاردنية الهاشمية
* الامين العام المساعد للثقافة الحزبية في حزب المحافظين الاردني