بدبلوماسية سيبرانية تعزز مسيرة التحديث .. ولي العهد يقود طموح التحول الرقمي
الدكتورة فرح زعاترة
19-10-2026 10:00 AM
برؤية سياسية ثاقبة تستشرف تحولات القوة وتدرك مصالح الأردن في عالم متسارع، يقود سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، طموح المملكة نحو التحول الرقمي، مدركا أن مستقبل الدول لا تصنعه التكنولوجيا وحدها، بل قدرتها على حماية مكتسباتها وصون سيادتها في فضاء بات ميدانا للتنافس والصراع، وفي هذا المشهد، تبرز دبلوماسية سموه السيبرانية باعتبارها امتدادا لرؤيته الوطنية، يوظف من خلالها حضوره السياسي وعلاقاته الدولية لتعزيز القدرات الأردنية، في نهج يجمع بين جرأة التحديث وحكمة التحصين، ويضع منعة الأردن في صميم معادلات القوة الجديدة.
ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن الأردن واصل طموحه الرقمي وسط تصاعد التهديدات؛ فقد نقلت وكالة بترا في آذار 2026 عن "ستاندرد آند بورز" حلوله ثالثا إقليميا في عدد الهجمات السيبرانية المرتبطة بالحرب، مع الإشارة إلى قدرته على احتوائها، وفي الرابع عشر من تشرين الأول 2026، أكد ولي العهد خلال زيارته وزارة العدل ضرورة مواصلة أتمتة خدماتها والتأكد من جاهزيتها قبل إطلاقها، ويمكن قراءة هذا التوجه تعبيرا عن الثقة بمسار بناء القدرات الوطنية؛ فمواجهة الأخطار تقتضي امتلاك أدوات التقدم الآمن، وربط توسيع الخدمات الرقمية بحماية البيانات واستمرارية الخدمة وثقة المواطن.
وتسند هذا المسار مكتسبات قابلة للرصد؛ فقد حصل الأردن على 98.6 نقطة من أصل 100، وصنف ضمن الفئة الأولى في مؤشر الأمن السيبراني العالمي (GCI) لعام 2024، كما ظهر ثالثا بدرجة 95 في المؤشر الوطني للأمن السيبراني (NCSI)، بحسب ترتيبه المنشور لعام 2026، وتعكس هذه النتائج تقدما في الالتزام بالأمن السيبراني وبناء القدرات المؤسسية، دون أن تعني حصانة مطلقة من الاختراق، ومن هنا، تبرز الدبلوماسية السيبرانية أداة لتوسيع إمكانات الحماية، وتوظيف الشراكات الدولية في دعم الجاهزية الوطنية وتأمين مسيرة التحديث.
وتتضح الأهمية السياسية لهذا التوجه في تحركات ولي العهد الخارجية؛ ففي واشنطن، بحث التعاون السيبراني مع مسؤولين في الإدارة الأمريكية والكونغرس عام 2023، ثم ترأس افتتاح الحوار السيبراني والرقمي الأردني الأمريكي الثاني في عمان في آذار 2024، ضمن مسار اتفق على عقده سنويا، وفي سنغافورة، بحث آفاق التعاون في الأمن السيبراني وتكنولوجيا الدفاع، موسعا قنوات التواصل مع شريك متقدم تقنيا، وتتيح هذه اللقاءات وآليات الحوار للمؤسسات الأردنية فرصا لتبادل الخبرات وتطوير الكفاءات وتنسيق مواجهة التهديدات، بما يصل العلاقات السياسية باحتياجات الأمن الوطني ويمنح التعاون غاية عملية تتجاوز حدود اللقاء.
وتتكامل هذه الجهود مع متابعة سموه للاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني للأعوام 2025–2028، ورعايته القمم والمؤتمرات المتخصصة، وقد شهد ختام القمة الأولى التي حضرها الإعلان عن ثلاث اتفاقيات وإطلاق منصة تعليمية، بما يقدم مخرجات ملموسة لمنصات التعاون، فالدبلوماسية التي توسع شبكة الشركاء في الخارج تجد امتدادها في مؤسسات تطور قدراتها في الداخل، وكفاءات تحول المعرفة إلى ممارسة، لتصبح حماية التحول الرقمي ثمرة تكامل السياسة والتكنولوجيا والعمل الوطني.
وهنا تتجلى القيمة الاستراتيجية لنهج ولي العهد في الجمع بين طموح التحديث ومتطلبات حمايته، وبين استشراف الفرص والاستعداد لمخاطرها، فنجاح التحول الرقمي يتجسد في خدمات موثوقة، ومؤسسات قادرة على الاستمرار، وقدرات وطنية تتطور مع تغير التهديدات، وهو مسار تترجم فيه الرؤية السياسية إلى مسؤولية مستمرة عن أمن الوطن ومصالح مواطنيه ومستقبل أجياله القادمة، وبقدر ما تسهم دبلوماسيته السيبرانية في بناء هذه المقومات، فإنها تعزز منعة الأردن وتوسع خياراته، وتمنح مسيرته نحو المستقبل أساسا يجمع المعرفة بالشراكة والسيادة، لتغدو حماية مكتسبات التحديث جزءا من صناعة مكانة الدولة وقوتها.