جورب الحكايات: شعرية العجائبي وتحولات الرغبة في أدب الطفل
19-10-2026 02:05 PM
عمون - قراءة مصطفى القرنه - تنهض قصة «جورب الحكايات» لفداء الزمر على فكرة سردية تنطوي على خصوبة تخييلية واضحة؛ إذ تنطلق من تفصيل منزلي شديد الألفة، هو جورب الجدة الصوفي الأزرق، لتفتح منه نافذة على عالم تتغير فيه قوانين الواقع، وتتسع فيه حدود الممكن، وتتحول الأشياء الصغيرة إلى منابع للدهشة والمغامرة. وتكمن أهمية هذه الفكرة في قدرتها على إعادة توزيع الأدوار بين المألوف والعجائبي؛ فالشيء الذي اعتاد الطفل رؤيته في حياته اليومية يغدو نقطة انطلاق إلى تجربة تتجاوز حدود الإدراك المباشر، ويصبح المنزل، بما يختزنه من أشياء وذكريات، فضاءً قابلًا لاستيلاد الحكايات. ومن هذه العتبة تتشكل الرؤية الجمالية للنص، حيث يتقدم الخيال بوصفه أداة لاكتشاف العالم وإعادة تأويل تفاصيله، وتغدو الحكاية فعلًا إبداعيًا يستخرج من العادي إمكانات استثنائية.
يحمل عنوان «جورب الحكايات» كثافة دلالية تتجاوز حدود التسمية إلى تأسيس أفق تأويلي يحكم العلاقة بين الشيء والخيال. فالجورب ينتمي إلى عالم المحسوس، وتحيط به دلالات الدفء والاحتواء والخصوصية المنزلية، فيما تنفتح «الحكايات» على التعدد والتوالد والانتقال بين الأزمنة والأمكنة والشخصيات. ومن هذا التجاور بين المفردة المادية والمفردة السردية تتولد مفارقة جمالية قوامها اتساع المعنى داخل محدودية الشيء؛ فالجورب، على صغر حجمه وبساطة وظيفته، يصبح وعاءً رمزيًا لعوالم تتجاوز أبعاده المادية. وهنا تتجلى براعة العنوان في تحويل غرض يومي إلى علامة على قدرة المخيلة على اكتشاف المدهش في قلب المألوف، وإثارة فضول الطفل تجاه ما يمكن أن تخفيه الأشياء من أسرار وإمكانات.
وتزداد هذه الدلالة ثراءً حين يرتبط الجورب بالجدة، بوصفها شخصية ذات حضور راسخ في الذاكرة العائلية والثقافة الشعبية. فالجدة تمثل في المخيال الجمعي راوية الحكايات وحافظة الذاكرة الشفوية، ومنها تنتقل القصص والأمثال والمرويات التي تصل الأجيال بعضها ببعض. وبهذا الارتباط، يكتسب الجورب بعدًا يتجاوز وظيفته المادية، ليغدو حاملًا رمزيًا لذاكرة الأسرة ووسيطًا بين الموروث والابتكار. وتنبثق من هذه العلاقة إمكانية قراءة الحكاية بوصفها إعادة تشكيل للذاكرة الشعبية في ضوء حساسية الطفل المعاصر؛ إذ تتجاور الألفة العائلية مع المغامرة، ويتحول الموروث من مادة محفوظة في الذاكرة إلى تجربة حية قابلة للتجدد وإنتاج الدلالة.
أما اللون الأزرق، فيمنح صورة الجورب ملمحًا بصريًا يرسخ حضوره في المخيلة، ويفتح المجال أمام إيحاءات تتصل بالسماء والبحر والامتداد. وتظل القيمة النقدية لهذا التفصيل مرتبطة بوظيفته داخل النسيج الحكائي، وبمدى إسهامه في تشكيل المشهد أو تمييز العنصر المركزي في الذاكرة البصرية للطفل. فالتفاصيل في أدب الطفل تكتسب أهميتها من قدرتها على المشاركة في بناء العالم القصصي، وتحويل الصورة إلى علامة تتصل بمسار الحكاية. ومن هنا تأتي أهمية العناية بالعناصر البصرية واللونية؛ لأنها تمنح المتلقي الصغير مداخل متعددة إلى التجربة، وتساعد على ترسيخ الصورة السردية في وجدانه.
ويتقدم العجائبي في القصة من خلال استدعاء المصباح السحري والمارد، وهما عنصران يمتلكان حضورًا راسخًا في التراث الحكائي العربي والعالمي. ويؤسس هذا الاستدعاء لحظة انتقال من الواقع المألوف إلى عالم تتسع فيه إمكانات الفعل، وتتغير فيه العلاقة بين الرغبة والنتيجة. فالمصباح يمثل عتبة عبور إلى فضاء استثنائي، فيما يجسد المارد القوة التي تمنح الرغبات إمكانية التحول إلى أحداث. ومن خلال هذه العناصر، تستثمر فداء الزمر ذاكرة حكائية مشتركة، وتعيد إدخالها في تجربة سردية موجهة إلى الطفل، بما يتيح التفاعل بين سحر الموروث ومتطلبات الكتابة الحديثة.
وتنبع أهمية هذا التوظيف من طبيعة العجائبي نفسه؛ فهو في أدب الطفل يتجاوز إحداث المفاجأة وإثارة الدهشة إلى إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والعالم. فعندما تتغير قوانين الواقع داخل الحكاية، يجد الطفل نفسه أمام احتمالات جديدة، ويتعلم أن الحدث يمكن أن يتخذ مسارات متعددة، وأن لكل اختيار نتائج تستحق التفكير. ويمنح هذا الانفتاح المخيلة دورًا فاعلًا في تشكيل التجربة القرائية، إذ يصبح الطفل شريكًا في توقع الوقائع وتأويلها، ويتحول الخيال إلى مساحة لاختبار الأفكار ومساءلة الرغبات. وتبلغ الفانتازيا قيمتها الفنية حين ترتبط بحركة الحدث وتطور الشخصية، وتؤدي وظيفة واضحة في بناء المعنى.
وتحتل الأمنيتان موقعًا محوريًا في البناء الدلالي للقصة، لأنهما تنقلان الحكاية من مجرد اكتشاف عنصر سحري إلى مواجهة الرغبة واختبار الاختيار. فالأمنية تمثل صورة مكثفة لما يتطلع إليه الإنسان، وهي في عالم الطفل مساحة للتعبير عن الطموح والتخيل وتجاوز القيود. وحين تتعدد الأمنيات، تتعدد معها احتمالات الفعل، ويصبح الاختيار عنصرًا منظمًا لمسار المغامرة. ومن هذه الزاوية، تكتسب الرغبة بعدًا تربويًا وجماليًا؛ فهي تكشف ما تريده الشخصية، وتتيح للسرد أن يستكشف العلاقة بين التطلع والقرار، وبين ما يتمناه الإنسان وما يترتب على اختياره.
وتتصل هذه البنية بمفهوم المسؤولية، الذي يكتسب أهميته حين ينشأ من داخل التجربة الحكائية. فالطفل يتفاعل مع الشخصيات ومواقفها، ويقارن بين الخيارات المتاحة، ويختبر النتائج عبر متابعة الحدث. وهكذا تنشأ القيمة السلوكية من حركة السرد، وتتحول الفكرة إلى تجربة محسوسة، تتفاعل فيها المعرفة بالوجدان. وتلك إحدى أهم خصائص الكتابة الناجحة للطفل؛ إذ تمنح القارئ فرصة لاكتشاف المعنى بنفسه، وتتيح له مساحة للتفكير والاستنتاج، مع المحافظة على متعة المغامرة وحيوية التخيل.
ومن هنا، تتحدد العلاقة بين الرغبة والمعرفة بوصفها إحدى المساحات التي تستحق التوقف عندها في قراءة القصة. فالرغبة تدفع الشخصية إلى الفعل، والفعل يفتح المجال أمام التجربة، والتجربة تتيح اكتشاف النتائج وما تنطوي عليه من دلالات. وعندما تندمج القضايا السلوكية والعلمية في هذا المسار، تتحول إلى جزء من نسيج الحكاية، وتكتسب فاعليتها من ارتباطها بالشخصية والحدث. وتصبح المعرفة في هذه الحالة امتدادًا للمغامرة، ويغدو التعلم عملية اكتشاف تنبع من الفضول، وتستند إلى المشاركة الوجدانية والتفكير.
وعلى مستوى البناء الفني، تبرز قيمة التكثيف والتشويق في تنظيم التجربة السردية وتوجيه انتباه القارئ. فالتكثيف يقوم على اختيار التفاصيل ذات الفاعلية، بحيث يسهم كل عنصر في تطوير الحدث أو تعميق الدلالة، فيما يعتمد التشويق على توزيع المعلومات والمفاجآت بطريقة تحافظ على فضول الطفل، وتدفعه إلى متابعة التحولات. وتتضافر هاتان التقنيتان مع الفانتازيا لتشكيل إيقاع حكائي يتناسب مع طبيعة القراءة الموجهة إلى الطفل، حيث تتفاعل الصورة والحركة والمفاجأة في بناء تجربة نشطة. وتظل القيمة الفنية لهذه العناصر رهينة تماسكها، وقدرتها على خدمة الفكرة المركزية، وتحويل المغامرة إلى مسار متدرج تتولد دلالاته من داخل الأحداث.
وتفتح القصة مجالًا للتأمل في العلاقة بين التراث والحداثة داخل أدب الطفل. فالاستلهام الإبداعي للموروث يقوم على إعادة تشكيل عناصره، ومنحها وظائف تتصل بأسئلة الحاضر واحتياجات القارئ الجديد. والمصباح السحري، بما يحمله من ذاكرة ثقافية واسعة، يمثل نموذجًا لهذا التفاعل؛ إذ يستدعي عالمًا حكائيًا مألوفًا، ويمنح السرد فرصة لتقديمه ضمن سياق جديد. ومن خلال هذه العملية، يتحول التراث إلى مادة حية للإبداع، ويصبح التحديث ممارسة تقوم على إعادة القراءة والابتكار، مع الحفاظ على الصلة بالذاكرة الثقافية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في أدب الطفل العربي، الذي يستطيع أن يستثمر الموروث الشعبي في بناء عوالم قصصية تجمع بين الخصوصية الثقافية والانفتاح على التجارب الإنسانية المشتركة. فالطفل يتعرف من خلال الحكاية إلى مخزون ثقافي يربطه بذاكرته الجمعية، ويختبر في الوقت نفسه إمكانات الخيال الحديث في إعادة بناء هذا المخزون. وعندما تتكامل هذه العناصر، يغدو النص مساحة للتفاعل بين الماضي والحاضر، وبين الموروث والتجربة الفردية، وبين المتعة الجمالية واكتشاف العالم.
ومن منظور نقدي، تتحدد قوة «جورب الحكايات» في طبيعة الفكرة التي تنطلق منها، وفي الإمكانات السردية التي يتيحها الجمع بين الجورب والمصباح والمارد والأمنيتين. فهذه العناصر تتيح بناء علاقة متدرجة بين الشيء المألوف والحدث العجائبي، وبين الرغبة والاختيار، وبين المغامرة واكتساب المعرفة. كما تمنح الحكاية فرصة لمخاطبة الطفل عبر مستويات متداخلة، يتجاور فيها البعد البصري مع البعد الوجداني، وتلتقي المتعة مع التفكير. وتبقى درجة تحقق هذه الإمكانات فنيًا مرتبطة بكيفية توزيع الأحداث، وعمق بناء الشخصيات، ومدى اندماج القضايا المطروحة في المسار الحكائي.
ويأتي فوز القصة بالمركز الأول في مسابقة عبد الحميد شومان لأدب الطفل في دورتها السادسة عشرة ليمنح التجربة حضورًا في المشهد الثقافي المعني بأدب الطفولة، ويبرز الاهتمام بالأعمال التي تستثمر الخيال والتراث في تقديم موضوعات قريبة من عالم الطفل. كما أن صدورها عن دار جبل عمّان ناشرون يضعها ضمن حركة النشر العربي الموجه إلى القراء الصغار، حيث تتنامى الحاجة إلى نصوص تجمع بين القيمة الجمالية والقدرة على تحفيز التفكير، وتمنح المخيلة موقعًا أساسيًا في بناء وعي الطفل بذاته ومحيطه.
في المحصلة، تنفتح «جورب الحكايات» على أفق سردي تتفاعل فيه شعرية العجائبي مع تحولات الرغبة، ويتحول فيه الشيء اليومي إلى بوابة نحو عوالم استثنائية. فالجورب يختزن مفارقة الاحتواء والاتساع، والجدة تصل الحكاية بذاكرة الأسرة، والمصباح السحري يفتح المجال أمام احتمالات جديدة، فيما تمنح الأمنيتان الرغبة دورها في تحريك الأحداث واختبار الاختيارات. وتلتقي هذه العناصر في تصور للحكاية يجعل الخيال وسيلة لاكتشاف الذات والعالم، ويمنح المعرفة مسارًا يتشكل من داخل المغامرة.
إن الرهان الجمالي الأعمق في «جورب الحكايات» يكمن في قدرتها على إعادة السحر إلى تفاصيل الحياة اليومية، ومنح الطفل عينًا ترى في الأشياء البسيطة بدايات لعوالم واسعة. فالحكاية الناجحة تترك في المخيلة أثرًا يتجاوز حدود أحداثها، وتمنح القارئ الصغير شعورًا بأن العالم أكثر اتساعًا مما يبدو، وأن كل تفصيل مألوف يحمل احتمالًا جديدًا للاكتشاف. ومن هنا تتجلى قيمة هذا التوجه في أدب الطفل: أن تتحول الدهشة إلى طريق للمعرفة، والرغبة إلى مجال للتفكير، والحكاية إلى تجربة جمالية ترافق الطفل في نموه واكتشافه للحياة.