facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




سيارات الدفع الرباعي في شوارعنا .. رفاهية أم استعراض على حساب الاقتصاد؟


م. عبدالفتاح الدرادكة
19-10-2026 02:07 PM

إذا أردنا أن نتعرف إلى بعض مظاهر التناقض في حياتنا الاقتصادية، فما علينا إلا أن نقف على أحد شوارعنا الرئيسية في ساعات الصباح، ونراقب طوابير السيارات الفاخرة والضخمة التي تتدفق نحو أماكن العمل. ستلفت أنظارنا أعداد كبيرة من سيارات الدفع الرباعي، بمختلف أنواعها، تسير في الشوارع المعبدة، ويجلس خلف مقود كثير منها شخص واحد، وكأننا نعيش في دولة خليجية تتدفق عليها الثروات، ولا تعرف أين تنفق فوائض أموالها، لا في بلد يعاني من المديونية التي تجاوزت أربعين مليار دينار، ويبحث عن كل وسيلة لتخفيف أعبائه الاقتصادية.

فهل أصبح حجم السيارة عندنا مقياسًا لمكانة صاحبها، أم أن المواطن الأردني يحتاج فعلًا إلى كل هذه السيارات الضخمة؟

لا أحد ينكر أن السيارة أصبحت ضرورة في الأردن، ولا أحد يستطيع تجاهل ضعف وسائل النقل العام، الذي دفع المواطنين إلى الاعتماد على سياراتهم الخاصة لتأمين تنقلاتهم اليومية. لكن هذه الحقيقة، على أهميتها، لا تفسر وحدها هذا الانتشار اللافت للسيارات الكبيرة ذات الدفع الرباعي، ولا تبرر اقتناء مركبات مرتفعة الثمن والكلفة في حالات تستطيع فيها السيارات الصغيرة والاقتصادية أداء الغرض نفسه بكفاءة.

إن المشكلة تتجاوز مجرد اختيار نوع السيارة؛ إنها ترتبط بثقافة استهلاكية أخذت تمنح المظاهر أهمية تفوق الحاجة، وتربط في أذهان بعض الناس بين حجم المركبة وقيمة صاحبها الاجتماعية والمالية. وهنا تتحول السيارة من وسيلة نقل إلى أداة لإظهار المكانة، وتصبح المباهاة جزءًا من قرار الشراء، حتى لو كانت الكلفة تفوق الحاجة الفعلية، وحتى لو كان البديل الأصغر أكثر عقلانية وأقل استنزافًا للمال.

ولنسأل سؤالًا بسيطًا: ما الحاجة التي تدفع موظفًا إلى قيادة سيارة ضخمة ذات دفع رباعي كل صباح، ليقطع بها طريقًا معبدًا من منزله إلى مكتبه، ثم يتركها لساعات طويلة في موقف السيارات، ويعود بها إلى منزله؟ وهل تختلف هذه الرحلة، في جوهرها، عن الرحلة نفسها بسيارة صغيرة اقتصادية، توفر الوقود وتقلل كلفة الصيانة وتشغل حيزًا أقل في الشوارع والمواقف؟

صحيح أن هناك مزارعين وأصحاب أعمال ومواطنين يعيشون في مناطق تفرض طبيعتها استخدام سيارات ذات مواصفات خاصة، كما أن بعض المركبات الكبيرة قد تكون ضرورية لأغراض مهنية أو عائلية. لكن ذلك شيء، وأن تتحول هذه السيارات إلى مشهد يومي واسع الانتشار في المدن والطرق المعبدة شيء آخر تمامًا.

فالأردن ليس بلدًا تفتقر معظم مناطقه إلى الطرق المعبدة؛ إذ تصل شبكة الطرق إلى مختلف المدن والبلدات والقرى، وتمتد إلى مناطق واسعة من الريف والبادية. وإذا كانت طبيعة بعض الأعمال والمواقع تستدعي الدفع الرباعي، فما الذي يبرر أن تصبح هذه الفئة خيارًا شائعًا للتنقل اليومي في المدن، حيث لا يحتاج معظم السائقين إلى إمكاناتها الإضافية؟

والأكثر غرابة أننا نتحدث باستمرار عن ترشيد الاستهلاك، وضبط النفقات، وتشجيع الإنتاج، والحد من عجز الميزان التجاري، فيما ننفق مبالغ كبيرة على استيراد سيارات مرتفعة الثمن، ثم نواصل دفع كلف تشغيلها وصيانتها وقطع غيارها. وهذه الأموال، التي يذهب جزء منها إلى الخارج، كان يمكن توجيهها إلى الاستثمار أو الادخار أو تحسين مستوى معيشة الأسر.

والغريب في الأمر أن ثقافة «الكبرة ولو على خازوق» ما زالت تحكم جانبًا من سلوكنا الاستهلاكي؛ إذ يبدو أحيانًا أن إظهار الثراء والمكانة الاجتماعية أهم من مراعاة الإمكانات الحقيقية للفرد والاقتصاد. فعندما ننظر إلى كثير من المجتمعات في الإقليم والعالم، خارج الدول الخليجية التي تتمتع بموارد مالية كبيرة، نجد أن اقتناء السيارات الضخمة والفاخرة لا يمثل بالضرورة النمط السائد للتنقل اليومي، رغم تفاوت مستويات الدخل والإمكانات الاقتصادية. فهناك مجتمعات تنظر إلى السيارة بوصفها وسيلة للنقل، وتختارها وفق الحاجة والكلفة والجدوى، لا وفق حجمها وما توحي به من مكانة اجتماعية. ولا يعني ذلك أن السيارات الكبيرة أو الفاخرة غائبة عن تلك المجتمعات، بل إن المبالغة في استخدامها للتفاخر ليست بالضرورة سمة عامة فيها. أما عندنا، فيبدو أن بعض الناس مستعدون لتحمل أعباء مالية كبيرة، وربما الدخول في الديون، من أجل المحافظة على صورة اجتماعية لا تعكس دائمًا حقيقة أوضاعهم الاقتصادية. وهنا يبرز السؤال: إلى متى سنبقى أسرى عادات التفاخر والمباهاة، ونتمسك بالكبرياء والمظاهر ولو كان ثمنها استنزاف مواردنا وإمكاناتنا؟

ولا يعني ذلك أن الدول ذات الاقتصادات المتقدمة تخلو من مظاهر التفاخر أو من الاستخدام الواسع للسيارات الكبيرة، فهذه الظاهرة موجودة بدرجات متفاوتة في مختلف المجتمعات. لكن توافر وسائل نقل عام أكثر كفاءة في كثير من المدن، إلى جانب تنوع خيارات التنقل، يمنح السكان بدائل عملية للسيارة الخاصة، ويساعد على تقليل الاعتماد عليها في الرحلات اليومية. كما أن اختيار المركبة يظل، لدى كثير من الناس، مرتبطًا بطبيعة الاستخدام والكلفة، لا بمجرد الرغبة في إظهار المكانة الاجتماعية. وهذا ما يدعونا إلى مراجعة سلوكنا الاستهلاكي، لا إلى تقليد الآخرين في كل شيء، بل إلى الاستفادة من التجارب التي تجعل الحاجة والجدوى الاقتصادية أساسًا للاختيار.

وهنا تبرز أهمية مراجعة السياسات الحكومية المتعلقة باستيراد السيارات الكبيرة والفارهة وترخيصها والتأمين عليها، إلى جانب الضرائب والرسوم المفروضة عليها. ولا بد من الإشارة إلى أن هناك بالفعل إجراءات حكومية قائمة في هذه المجالات، إلا أن تزايد أعداد هذه السيارات وانتشارها في شوارعنا يدعوان إلى إعادة دراسة مدى كفاية هذه الإجراءات وفاعليتها. فالمسألة لا تتعلق بحرية المواطن في اختيار سيارته فحسب، بل تتصل أيضًا بأثر هذا التوجه الاستهلاكي على الاقتصاد الوطني، من حيث استنزاف العملات الأجنبية، وارتفاع كلف استهلاك الطاقة، وزيادة الأعباء المرتبطة بالتشغيل والصيانة.

ومن هنا، فإن المطلوب هو أن تتولى الحكومة دراسة هذه الظاهرة بصورة شاملة، والنظر في تطوير السياسات الضريبية والرسوم والاشتراطات ذات الصلة، بما يشجع على اقتناء السيارات الاقتصادية والأقل استهلاكًا للطاقة، مع مراعاة احتياجات المواطنين وطبيعة استخدام المركبات المختلفة. كما أن تطوير وسائل النقل العام سيمنح المواطنين بدائل عملية تقلل اعتمادهم على السيارات الخاصة. والغاية ليست فرض قيود غير مبررة على خيارات الأفراد، وإنما تحقيق التوازن بين حرية الاختيار والمصلحة الاقتصادية الوطنية، والحد من أنماط الاستهلاك التي ترتفع كلفتها على الفرد والاقتصاد معًا.

إن الأردن ليس بلدًا غنيًا بموارده المالية، ولا يجوز أن نتعامل مع العملات الأجنبية والطاقة وكأنهما موارد لا تنفد. وفي ظل المديونية والضغوط الاقتصادية، يصبح من الضروري أن نفرق بين ما نحتاج إليه وما نشتريه لمجرد المظهر.

إن السيارة وسيلة نقل، وليست شهادة على الثراء، ولا مقياسًا لقيمة الإنسان. ومن أراد أن يشتري سيارة ضخمة لمجرد التفاخر، فليتحمل كلفتها الحقيقية، أما أن تبقى السياسات العامة مشجعة على الاستهلاك المكلف، فيما يتحمل الاقتصاد الوطني أعباء الاستيراد والطاقة، فذلك ما يجب أن يتوقف عنده صانع القرار.

فهل نريد شوارع تعكس حاجات مجتمعنا وإمكانات اقتصادنا، أم نريدها معارض مفتوحة للسيارات الفاخرة، بينما نطالب المواطنين في الوقت نفسه بالتقشف وترشيد الاستهلاك؟ والله من وراء القصد





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :