الاديبة عائشة الخواجا تنعى شقيقتها عزيزة
20-10-2026 09:09 AM
عمون - نعت الأديبة عائشة الخواجا الرازم، وفاة شقيقتها عزيزة، قائلة:
اختي الحبيبة عزيزة ..أم جلال الحبيبة ...مع السلامة
عَزِيزَةُ شِرْيَانِ مُقْلَتِي… رَحَلْتِ اليوم وَتَرَكْتِ لِلْحُبِّ بَيْتًا وَلِلذِّكْرَى دمعة لا تجف ..
أرحلتِ حقا يا عزيزة…تقول لي ملائكة
رحلتِ مع أول خيوط الفجر اليوم ، حين كانت الدنيا تستعد لاستقبال يومٍ جديد، ولم نكن نعلم أن هذا الفجر سيأخذ من أعمارنا قطعةً لا يعوّضها الزمن، وأن شمس هذا اليوم ستشرق على بيتكِ لتهب الغيوم ، وتغطي صفاء النور الذي كان يشرق في عيوننا معا ...
يا شقيقتي الأصغر مني بعشر سنوات، يا قطعةً من روحي، ويا بعضًا من طفولتي وذاكرتي وأيامي… كيف أكتب رثاءكِ، وأنا التي ما زلت أكبس على زر الهاتف لأزورك اليوم ..وقد امتلأ البيت بسعادة تجهيزك لفرح أحمد ...وقد عمت البسمة في وجوه أبنائكِ، وبناتك الأحبة ، وظللت ملامح وجهك في ظلال الأشجار التي غرستِها بيديكِ، كأنكِ كنتِ تهيئين للأرض أن تحفظ كثير غرس منكِ حين تغيبين؟
عزيزة… يا من كنتِ عزيزةً اسمًا، وعزيزةً روحًا، وعزيزةً في كل قلبٍ عرفكِ.
عشتِ كريمة النفس، معطاءة اليد، واسعة القلب، لا تقطعين أحدًا، ولا تغلقين بابًا في وجه حبيب ولا في ظهر قريب، ولا تسمحين لوشائج العائلة أن تذبل ما دامت في صدركِ أنفاس. كنتِ تجمعين شملنا بمحبةٍ لا تعرف الحساب، وتصلين من ابتعد، وتسألين عن الغائب، وتمنحين كل واحدٍ منا شعورًا بأن له في قلبكِ مكانًا لا يزاحمه فيه أحد.
كنتِ امرأةً تعرف أن العائلة ليست أسماءً تجمعها القربى فحسب، بل قلوبٌ تحتاج إلى من يضمّها، وأرواحٌ تحتاج إلى من يرمّم ما تصدّع فيها. فكنتِ أنتِ اليد التي تجمع، والصوت الذي يحنو، والقلب الذي يتّسع للجميع.
يا عزيزة…
كم خبّأتِ في صدركِ من وجعٍ لم تريدي له أن يكسر أحدًا سواكِ!
وحين اختطف الموت ابنكِ الحبيب جلال الساريسي، بطل العرب في البلياردو والسنوكر، وهو في ريعان شبابه ، ذقتِ من مرارة الفقد ما لا تعرفه إلا الأمهات اللواتي يوارين أبناءهنّ في التراب، ثم يعدن إلى بيوتهنّ وقلوبهنّ معلّقة عند آخر نظرة، وآخر صوت، وآخر ذكرى.
كان جلال ابنكِ وحبيب قلبكِ، وكان رحيله جرحًا لا تداويه الأيام. ومع ذلك صبرتِ واحتسبتِ أمركِ عند الله، وحملتِ حزنكِ بكرامة المؤمنات، وظللتِ واقفةً، جميلة الروح، قوية الحضور، محبةً ومعطاءة.
لم تسمحي لوجعكِ أن ينتزع منكِ قدرتكِ على الحب، ولم تجعلي الفقد يغلق أبوابكِ في وجه الحياة. بقيتِ أمًّا لأبنائكِ وبناتكِ وأحفادكِ، وملاذًا للعائلة، وامرأةً تؤمن أن ما بقي من العمر يستحق أن يُعاش بالمحبة، وأن الحزن مهما عظم لا ينبغي أن يطفئ نور البيوت.
ثم جاء أحمد، وجاءت فرحته، وجاءت عروسه، ففرحتِ له من أعماق قلبكِ، وذهبتِ معهما امس وحجزتِ صالة العرس، وأخذتِ تستعدين لفرحةٍ كان موعدها في منتصف كانون الأول.
كنتِ ترتّبين فرح ابنكِ، وتفتحين نافذةً جديدةً للحياة، ثم عدتِ إلى بيتكِ الذي تعبتِ في بنائه بالمحبة، وإلى أشجاركِ التي غرستِها بيديكِ، وإلى أبنائكِ وأحفادكِ الذين أحطتِهم بالحنان.
عدت من ومضة الإعداد للفرح ...لم تشتك من وجع، ولم تمهّدي لنا طريق الفراق، ولم تمنحينا فرصةً لنعرف أن تلك العودة كانت آخر عوداتكِ، وأن ذلك الفجر سيحمل خبر رحيلكِ.
رحلتِ بهدوء، كما يليق بقلبٍ أتعبه العطاء، وكأنكِ أغمضتِ عينيكِ على أمانٍ وطمأنينة، تاركةً لنا صدمة الغياب، وحرقة الأسئلة، ودموعًا لا تعرف إلى أين تمضي.
أما أنا، يا شقيقتي، فأبكيكِ اليوم بدمعٍ لا يجفّ، وبقلبٍ كلما حاول الآن ونحن في بيتك أن يصدّق رحيلكِ ..فكلما دخلت مجموعة من النساء تفرش لنا سجاجيد الصلاة بعد الوداع .. اتخيلك في بيتك معهن تفرشين للضيوف مراحات الاستقبال ..
أبكيكِ لا لأنكِ رحلتِ فحسب، بل لأنني أعرف ماذا فقدتُ برحيلكِ؛ فقدتُ شقيقةً ورفيقةً من رفيقات العمر، ووجهًا يحمل من تاريخنا ما لا تحمله الكتب، وذاكرةً تمشي على الأرض، وقلبًا كان يعرف كيف يجمعنا حين تتباعد بنا الحياة.
أبكي حديثنا الطويل وشلال أوجاعنا... ونعود نعيش بنهر تفاؤلنا بمحبة ...
شجيرات بيتك والتين أراها اليوم بعينين غارقتين في الدمع، وأتخيّل أغصانها تمدّ ظلالها إليكِ، تبحث عن اليد التي غرستها، وعن القلب الذي سقاها، وعن المرأة التي كانت تمرّ بينها فتمنح المكان حياةً وبهجة.
يا عزيزة، يا شريان مُقلتي…أعرف أن يدكِ التي غابت عن الدنيا اليوم حاضرة ستورق الأشجار، وستكبر، وستزهر، لكنني سأفتقدكِ عند كل ورقةٍ جديدة شجرة التين ، وعند كل زهرةٍ تتفتح، وعند كل نسمةٍ تمرّ في حديقة بيتكِ وبين عائلتك التي افتقدتك الفقدان العظيم ...
فبعض الناس يتركون وراءهم أشياء، وأنتِ تركتِ حياةً كاملةً من المحبة.
تركتِ أبناءً يحملون اسمكِ في قلوبهم، وبناتٍ يعرفن معنى الأمومة من حنانكِ، وأحفادًا سيكبرون على حكايات جدّتهم أم جلال ... وأهلًا سيبحثون عنكِ كلما اجتمعوا، ثم يتذكّرون أن القلب الذي كان يجمعهم قد صار ذكرى ودعاء نحو السماء ..
يا عزيزة…
لم تكوني امرأةً مرّت في حياة أسرتها ثم رحلت؛ كنتِ خيطًا من خيوط نسيجها، فإذا غاب الخيط شعر الجميع بأن شيئًا من الدفء قد غاب معه.
ومع ذلك، لن نترك غيابكِ يبدّد ما جمعتِه. سنحمل محبتكِ بيننا، وسنذكر اسمكِ العزيز بالخير، وسنحفظ سيرتكِ لأبنائكِ وأحفادكِ، فهم يعرفون عزيزة ...عزيزة كانت امرأةً كريمةً، صابرةً، محبةً، لا تتخلّى عن أهلها، ولا تنسى واجبها، ولا تبخل على من تحبّ بوقتها وقلبها.
سنقول لهم إن عزيزة عرفت الفقد، لكنها لم تتخلّ عن الحياة، وإنها عرفت الوجع، لكنها بقيت تمنح الآخرين الفرح، وإنها زرعت الأشجار بيديها، كما زرعت المحبة في قلوب من حولها.
وهذه هي الثروة التي لا يأخذها الموت.
أما جلال، ابنكِ الحبيب، الذي سبقكِ إلى دار الحق، فنسأل الله أن يرحمه رحمةً واسعة، وأن يجعل لقاءكما في جنات النعيم، حيث لا فراق ولا وجع ولا دموع.
وأما أحمد، عريس كانون الأول، فأسأل الله أن يكتب له ولعروسه السعادة والبركة، وأن يجعل فرحتهما بابًا للخير، وأن تبقى دعواتكِ تحيط بهما، وأن يجد في محبة الأسرة ما يخفّف عنهما لوعة غيابكِ.
يا عزيزة، يا أختي وحبيبتي، يا شريان مُقلتي…
أعرف أن الكلمات لا تعيد الراحلين، وأن المراثي مهما بلغت من الصدق لا تستطيع أن تردّ إلينا يدًا نحبّها، أو صوتًا اعتدنا سماعه، أو وجهًا ألفناه في تفاصيل أيامنا.
لكنني أكتبكِ لأنني لا أريد لرحيلكِ أن يمرّ كخبرٍ عابر.
أكتبكِ لأنكِ تستحقين أن تُروى حكايتكِ، وأن تعرف القلوب النابضة بالمحبة والاحترام من كنتِ، وكيف عشتِ، وماذا تركتِ وراءكِ.
أكتبكِ لأن الوفاء لا يكتفي بالبكاء، بل يحفظ سيرة من نحبّ، ويصون ذكراهم من النسيان.
وأكتبكِ لأن اسمي، مهما حمل من حروف، سيظل يحمل اسمكِ في مكانٍ لا يراه الناس، لكنه يؤلمني كلما نطقتُ اسمكِ أو تذكّرتُ أنني لن أراكِ .
وداعًا يا شقيقتي الحبيبة…
وداعًا يا كريمة النفس، يا حنونة القلب، يا جامعة شمل العائلة.
وداعًا يا من رتّبتِ فرحة أحمد، ولم تكوني تعلمين أن القدر يخبّئ لنا هذا الفراق المباغت.
وداعًا يا من تركتِ لنا بيتًا عامرًا بالذكريات، وأشجارًا شاهدةً على يديكِ، وقلوبًا ستظل تنبض باسمكِ ما بقي فيها نبض.
رحلتِ يا عزيزة، لكنكِ لم ترحلي منّا.
ستبقين في كل دعاء، وفي كل لقاءٍ عائلي، وفي كل حكايةٍ تُروى عنكِ، وفي كل شجرةٍ تهتزّ أغصانها في حديقة بيتكِ.
ستبقين في قلبي أختًا لا يعوّضها أحد، وفي ذاكرتي وجهًا لا يبهت، وفي روحي وجعًا أتعلم كيف أحمله دون أن أفقد محبتي للحياة.
رحمكِ الله يا عزيزة الحبيبة رحمةً تليق بقلبكِ الطيب، وبصبركِ الجميل، وبكل خيرٍ زرعتِه في حياتكِ.
اللهم اجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، وأنر مرقدها، وآنس وحشتها، واغفر لها وارحمها، واجمعها بابنها جلال في مستقر رحمتك، واجبر قلوب أبنائها وبناتها وأحفادها وأهلها ومحبيها.
اللهم ألهمنا الصبر الجميل، واجعل ذكراها الطيبة صدقةً جاريةً في قلوبنا، واجعل كل خيرٍ تركته وراءها شاهدًا لها لا عليها.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
رحمكِ الله يا شريان مُقلتي…
أختكِ المفجوعة بفجأة فقدانك...
عائشة الخواجا الرازم