الليبرالية اليتيمة في الأردن والوطن العربي
إبراهيم غرايبة
19-10-2026 09:48 AM
تعتبر الحرية مصدر إلهام رئيسي للأفراد والمجتمعات والأجيال، وغاية أساسية لكل السياسات والتشريعات والمؤسسات وتقوم عليها بعد العدل حياة الأمم وعقدها الاجتماعي، ويمثل أنصارها (الليبراليون) التيار السياسي والأيديولوجي الوسطي فيقع على يمينها المحافظون وعلى يسارها الاشتراكيون، وإن كانت الاشتراكية في جوهرها وحقيقتها ليبرالية معدّلة أو محاولة لترشيد الليبرالية، أو هي تعبير عن أزمة الليبرالية، وباعتبارها (الحرية أو الليبرالية) أهم ضمانة للتوازنات والمبادرات السياسية والاجتماعية التي تحمي من الجنوح إلى التطرف اليميني والديني أو التهور اليساري والفوضوي؛ فإنها تشكل ضمانة أساسية لسلامة ووجود جميع الاتجاهات والتيارات، ولا يستغني عنها كتيار او جماعات أحد حتى خصومها. إن الخاسر الأكبر من غياب قيم واتجاهات الحرية (الليبرالية) هم المحافظون والطبقات المهيمنة والسائدة وكذلك الفقراء والمستضعفون والمهمشون والذين هم تاريخيا واجتماعيا تتقاسمهم في الانتماء والانتخابات التيارات والجماعات المحافظة أو المعارضات اليسارية والأيديولوجيات الاحتجاجية.
أثقلت على الليبرالية العربية تجارب وشبهات اقتصادية وأيديولوجية ودينية، وربط بها كثير من الفشل والعداء للدين والأخلاق، برغم أن تجارب الخصخصة على سبيل المثال أدارها المحافظون وإن شاركهم أو أيدهم في ذلك الليبراليون العرب. الخصخصة تجربة يمكن أن تطلق الإبداع والعدالة والمبادرات الاقتصادية والاجتماعية لكن صاحبها في الدول العربية حالات كثيرة من الظلم والتحيز والفشل والاحتكار والإفقار والحرمان، ولم تصحبها سياسات تنافس عادلة على الفرص وتشريعات كافية للأجور وحقوق العمل.
وبالطبع فإن الفكر المحافظ سياسيا واجتماعيا ودينيا هو صاحب الغلبة في الدول والمجتمعات العربية، وتحتاج الليبرالية إلى عمل طويل ومتراكم لأجل قيم الحرية والعدالة والمساواة والفردية برغم أنها قيم ألهمت الأمم على مدى التاريخ والجغرافيا لتسعى نحو الحرية والازدهار. ولم تكن المكاسب القائمة اليوم بما في ذلك مكاسب المحافظين واليساريين وجميع خصوم الليبرالية سوى محصلة نضال ليبرالي طويل ودؤوب في العالم، فالمساواة وتمكين المرأة والفئات المستضعفة ومواجهة الاتجار بالبشر وإجراءات السلامة في العمل والمؤسسات وحماية البيئة والتنوع البيئي والثقافي وقيم العيش معا وتقبل الآخر والتسامح وغيرها من المكاسب العالمية اليوم ابتدأت أفكارا ونضالات ليبرالية ثم اقتبسها العالم، واستمتعت بها جميع الأمم والفئات والتيارات والايديولوجيات.
إن الأيديولوجيات العقلانية ومنها الليبرالية بطبيعتها وتكوينها تكون غير يقينية ولا تحشد الأنصار والمؤيدين المتحمسين وليس لها فرصة سوى التحالف مع النخب والحكومات والمصالح والطبقات التي تجد في الحريات والفردانية غطاء يحميها ويحقق مصالحها، أو قيما عليا وتجد رسالتها ومعناها في بث قيم الحرية والعدالة لتلهم الشباب والأمم والمجتمعات، كما تطور الحركة الفنية والثقافية.
هناك شعور خاطئ بالتناقض بين الحرية وبين الدين والأخلاق والقيم، وقد أدخلت الثقافة المحافظة السائدة والمهيمنة مفهوم الحرية كرديف لعدم الالتزام بالأخلاق والدين والقيم والعادات والتقاليد، وامتلأت الأدييات الاجتماعية والإعلامية بل وحتى المعجمية بفهم الحرية على أنها الفوضى. ولم يتبلور بعد في عالم العرب كما حدث في الغرب خطاب فكري وفلسفي يشير الى القيمة الجوهرية والمقاصدية للحرية في الدين والأخلاق، ولم تتبلور الليبرالية العربية بعد في مؤسسات وتيارات ناضجة وواضحة تعرف نفسها ويعرفها الناس، وتقدم خطابا فكريا وبرامجيا تتجادل حوله التيارات والأجيال.
وهناك تغيرات اقتصادية واجتماعية تربك قدرة الليبرالية على تمثيل الطبقات الوسطى والفئات المتضررة من هيمنة وسياسات الأغلبية، وأفقدها ذلك رصيدها التاريخي في التأثير والعمل. فقد ارتبطت الليبرالية تاريخيا بالطبقات الوسطى التي قادت التقدم الاقتصادي والعلمي، وكما يقول اريك هوبزباوم عن تداعيات الثورة الصناعية: "اجتمعت العناية الإلهية والعلوم والتاريخ لتمنح الأرض لقمة سائغة للطبقة الوسطى" لكن الطبقات الوسطى اليوم تواجه تحديات كبرى، كما أنها مرتبكة في تقدير أولوياتها وتحالفاتها بل وفي وعي تراثها ووجودها، وفي ذلك فإن الطبقات الوسطى لم تعد قادرة على ان تكون حاضنة اجتماعية لليبرالية، وهي على الأرجح حالة مؤقتة حتى تتضح التشكلات الاجتماعية والسياسية الجديدة المصاحبة للعولمة وتكنولوجيا الحاسوب والشبكات، لكن من المؤكد أننا سوف نشهد ليبرالية جديدة مختلفة عن الليبرالية السائدة اليوم كما سوف نشهد طبقات وبنى اجتماعية جديدة ومختلفة عن الطبقات السائدة اليوم، وهكذا تتشكل أفكار وقيم جديدة.
وفي المحصلة يمكن إجمال تحديات الليبرالية العربية والاردنية في النقاط التالية:
1- ضعف الفردية بل وتحويلها إلى رذيلة، وهيمنة الأفكار والجماعات المحافظة والجماعاتية.
2- هشاشة العقلانية، وتماسك المشاعر والمعتقدات الغيبية والقومية والأصولية.
3- العجز عن الربط الإيجابي بين الحرية والدين والأخلاق والقيم
4- غياب التيار والأيديولوجيا - من هم الليبراليون في الأردن والوطن العربي؟ وما الليبرالية الأردنية أو العربية إن وجدت؟
5- تغييب القيم الليبرالية الملهمة والإجماعية، الحرية، العدالة، والمساواة، والفردانية، والإبداع، والمبادرات، والمساواة.
6- غياب الرسالة والنخبة الليبرالية المستعدة للإلهام والتضحية.
7- تجارب سيئة السمعة بعضها ألصق ظلما بالليبرالية، مثل الخصخصة من غير عدالة الأجور وحقوق العمل والعمال ومنع الاحتكار
8- تحالفات سيئة السمعة وانسحابات سيئة السمعة أيضا، مثل التحالف مع تطرف وتجازات السلطة، وغياب عن تأييد قضايا الحرية والعدالة والحقوق العامة.
9- ضعف التنظير والضحالة الثقافية والفكرية في الفضاء العربي
10- شللية المنافع والصداقات وهاجس الندرة واحتكار المنافع في السلطة والمنظمات الدولية
11- التعبيرات الطبقية والمصالحية. أين الطبقة الوسطى والفئات المختلفة والأقليات من الليبرالية في الأردن؟