لا تتركوا أحلام البسطاء تجف
بهاء الدين المعايطة
18-10-2026 10:19 AM
من خيوط اليأس نسجنا ثيابا، ثم ارتديناها حتى نسينا ملامح الفرح، وما أصعب أن تصبح الكلمات مصنعا للبوح بدلا من أن تكون كتابا للروايات، منذ الصغر، كنا نعلم أن الكتب خلقت من الكلمات التي كانت تزرع فينا الحياة، إلى أن كبرنا واكتشفنا أن الكلمات التي كانت تمنحنا الأمل قد تصبح يوما مرآة لأوجاعنا.
إلى أن أتى اليوم الذي أصبحت فيه الكلمات مرآة لأوجاعنا، نبوح من خلالها بما نعجز عن قوله، دون أن نسمع صوتا ينادي بالحق. ولم تمض سوى أيام قليلة حتى اتخذت الحكومة من نتائج الاستطلاع مؤشرا على رضا الأردنيين، فيما لا تزال أوجاع كثيرين منهم تبحث عمن يسمعها، وآمالهم تنتظر من يترجمها إلى واقع حقيقي.
لكن رضا من؟ وما زال الكثيرون ينتظرون من يسمع صوتهم، فيما أصبح بعض المسؤولين عبئا إضافيا على أعباء المسؤولية، إلا أننا لا نستطيع أن ننكر الجهود الوطنية التي يبذلها دولة الرئيس، فنحن ممن تعلموا ألا يتركوا الكلمات بلا نقاط، وألا يغفلوا عن الإنصاف حين يكون واجبا، وعن العتب حين يكون حقا، لكن العتب أصبح كبيرا اليوم يا دولة الرئيس، ففي الوقت الذي تتخذون فيه قرارات تحرص على أرواح الأردنيين، من خلال استبدال مدافئ الشتاء حفاظا على سلامتهم، نجد في المقابل من يضيق على هذه الطبقة التي أردتم لها الأمان، ويقطع مصدر رزقها.
وكم تمنيت أن نجد من يمنح الصوت حقه، ولكن.. لقد أسمعت لو ناديت حيا، ولكن لا حياة لمن تنادي.
واليوم، يا دولة الرئيس الأكرم، هل تعلم أن هناك مسؤولين ومديرين عامين لشركات لا يعرفون من قانون العمل إلا إنهاء الخدمات، ولا نعلم إن كانت تلك الأيادي قد باتت أقوى من قانون العمل، الذي أُقر لتوفير الحماية الكافية للعامل من القرارات التعسفية، وصون لقمة عيشه، في ظل ما يعانيه أبناء الوطن من بطالة أنهكت الواقع الاقتصادي لكثير من العائلات.
فهناك، يا دولة الرئيس، من يتقاضى راتبا شهريا لا يتجاوز 170 دينارا في إحدى الوظائف، دون أي امتيازات أخرى، أو حتى ضمان اجتماعي أو تأمين صحي، رغم أن التأمين الصحي، الذي يحرم منه كثيرون، أصبح في العديد من الدول يمنح للمقيمين من خارجها ضمن إجراءات الإقامة، وراتب لا يكفي لتغطية تكاليف التنقل، ولا ضمان اجتماعي يوفر الحماية للعامل، حتى في ظل خطورة طبيعة عمله.
وأربعة أعوام بصيفها وشتائها، لم تكن شفيعا له في حفظ كرامته في العيش، بل كانت كافية لإنهاء خدماته وخدمات العشرات من الموظفين الذين عملوا بنظام المياومة لسنوات طويلة، ليجدوا أنفسهم مجددا في مواجهة البطالة، بعد أن ظنوا أن سنوات خدمتهم قد تكون ضمانا للاستقرار الوظيفي والعيش الكريم، فإذا بكل تلك السنوات تذهب هباء منثورا.
فاليوم، تعددت أوجه المعاناة، والظلم واحد. فنحن اليوم وجهان لمعاناة واحدة مع ما تعرضت له نبيلة العشوش، وإن اختلفت المسميات، فرغم أنني لم أكن متابعا لما حدث، إلا أنها تحارب من أجل الدفاع عن أرضها ومصدر رزقها، ونحن ندافع عن لقمة عيشنا التي طالتها يد القرارات العمياء، قرارات لا تدرك حجم الألم داخل أسوار تلك البيوت، ولا تعلم حجم المعاناة التي تخلفها وراءها، وكيف يمكن لقرار واحد، في لحظة واحدة، أن يبدد استقرار أسر بأكملها، ويلقي بظلاله على مستقبلها لسنوات مقبلة.
دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان الأكرم،
فمنذ اليوم الأول الذي نلتم فيه ثقة سيدي جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه، لتشكيل الحكومة، استطعتم أن تعيدوا الأمل من جديد إلى قلوب الأردنيين الذين افتقدوه منذ سنوات طويلة، وأن ترسموا مسارا جديدا أمام مؤسسات الدولة التي كانت بحاجة إلى المزيد من الحكمة والحزم في اتخاذ القرار، فاليوم، لا يكفي إلا أن تكون مناصرا للمظلوم، ومحاربا للمزاجية القائمة على القهر، بعدما أصبح راتب المئة والسبعين دينارا عبئا يثقل كاهل تلك المؤسسات، وكأن الموظفين البسطاء هم من يجب أن يدفعوا ثمن القرارات التي تمس لقمة عيشهم، ولا يملكون سواها.
وبعد مرور عامين على تكليف دولتكم، لا نزال نأمل الخير بكم، ولا زلنا نتمسك بما تبقى لنا من أحلام على أرض وطننا الحبيب، رغم ما أثقل أحلامنا من خيبات الانتظار..