مُسيَّراتٌ رخيصة الثمن تُحْرِجُ الكبار
حسين بني هاني
22-10-2026 12:08 PM
صُنِعَت خصيصاً قبل عقود في البداية ، كلعبة يلهو بها الصغار ، تطوّرت لكي تصبح اليوم سلاحاً فتاكاً يستخدمه الكبار ، هي إن شئت صناعة الفقراء ، ترى الأوكرانية منها تحلِّقُ بسهولة في سماء موسكو ، وشقيقتها الكبرى الإيرانية فوق الخليج ، وثالثة يمنية تسرح في فضاء السعودية ، سلاحٌ فتّاك سهل الصنع ورخيص الثمن ، أخذ يضيق به الجميع ، يساعده رفيقه البالستي ، في توسيع مساحة المناورة العسكرية . هو ظرفٌ عسكري استثنائي ، تبدلت فيه أسماء السلاح ، وسيطرت بسببها الدول على الأجواء والميادين ، بهدف إنتزاع شرعية حكم الآخرين ، يريد ترامب المنشغل في الانتخابات ، أن يكتب فيها روايته الخاصة للسلام بالقوة المسلّحة في الخليج ، رغم ما يكتنف هذا الأمر من أخطاء وأزمات ، كلّ مايستطيع فعله الآن ، في ظلّ تعنت طهران ، هو جدولة مراحل الصراع .
لا يعلم الرئيس ترامب ، حجم الضيق الذي يعاني منه ساسة المنطقة ، أولئك الذين باتوا يمتلكون مخزونا كبيراً ، عن تخبّط سياسة ترامب في الشرق الأوسط ، وعن تدهور مصالح واشنطن فيها ، بشكل أخذ يسهل عليهم ، إستحضار الغثّ والسمين منها ، مما أدى إلى تباين التأويلات والنتائج لديهم ، بشكل تحوّلت فيه الحكاية في الخليج ، إلى طقوس رهبنة فكرية .
يضير دول الخليج أن ترامب لازال مثلاً ، يعجز تماما عن حسم الصراع مع إيران ، رغم أنه يدّعي أنهاء الحروب في غير مكان ، بينما هو يؤججها بتهديداته هنا وهناك ، بل يكشف سلوكه السياسي ، عن مرحلة تراجعت فيها واشنطن ، عن فرض الانتصار السريع كما كان يتوهّم الرئيس ، وتزايدت عليها كلفة الحرب ، بل أدت قرارات البيت الأبيض الخارجية ، إلى جملة من العوامل التي تؤثر على الاستقرار الداخلي الامريكي ، وعلى الحسابات الانتخابية ايضاً .
مشكلة ترامب أنه لا يدرك تماما ، أن أسلحة الحروب الجديدة ، الرخيصة والسهلة الصنع ، باتت تُحدِثُ تحولات عميقة في النظام الدولي ، وأن أدواتها وآثارها لم تعد محصورة في ساحات القتال فقط ، سواء كان ذلك في إيران أو اليمن أو لبنان ، وأن المسيّرات منها خاصة ، باتت تلحق كبير الأذى بأبجديات الحروب التقليدية ، وتقلب قواعدها رأساً على عقب ، تلك التي كانت تنفرد بها الدول الكبرى عن غيرها ، وتلحق بالخصم أضراراً جسيمة ، وتجعل تحقيق النصر أمراً بالغ الصعوبة ، حتى للدول صاحبة القوة والنفوذ .
يضيقُ حلفاء الرئيس ترامب بسياساته المتقلّبة ، خاصة تجاه الحرب في أوكرانيا ، أولئك الذين بدأوا يأخذون عليه غزله بالرئيس بوتين ، بعد أن أفرج عن بعض صعوباته الاقتصادية ، عبر السماح له بتصدير الديزل ، ويعتبرونه زعيماً فاقداً للسيطرة وصانعاً للفوضى ، بشكل جعل الاضطراب في العلاقات الدولية ، يرتد سلبيا عليهم ، تماما كما هو عليه الحال ، في فرنسا بعد ارتفاع كلف المعيشة ، مما انعكس سلبا على استقرارها ، بعد المظاهرات العارمة والعنيفة ، التي شهدتها مدنها مؤخراً ، وتراجع شعبيته هو أيضا ، في وقت تواجه فيه واشنطن ، إختباراً صعبا ومزدوجا يتعلق بقدرتها ، على إدارة صراعات متعددة في وقت واحد ، هذا أمرٌ يكاد يجهز على قدراتها الذاتية من جهة ، وعلى قدرات شركائها ، في إحتواء التداعيات ، التي سببها ترامب ، في ظلّ قدرات الخصوم الضعفاء ، على إطالة أمد الحروب ، وإلحاق الضرر بهم ، بوسائل رخيصة نسبياً ، إذ لم يعد التفوّق العسكري ولا الاقتصادي ، كافياً لضمان نتائج الصراع ، كما هو الحال في الحرب على إيران ، قياساً بالقدرة على بناء تحالفات قوية مستقرّة ودائمة .