جريمة الكرك… الأردن وقيادته الهاشمية أقوى من الإرهاب والكراهية
أ.د. زياد نواف الدويري
23-10-2026 10:59 PM
ليست جريمة الكرك حادثةً عابرة تُطوى ببيان إدانة، ولا وجعًا يُختصر بدمعة؛ إنها جرس إنذار يدقّ في ضمير الوطن، ويضعنا أمام حقيقة لا يجوز تجاهلها، فالإرهاب لا يبدأ حين تنطلق الرصاصة، بل حين تُزرع الكراهية في العقول، ويُشرعن التطرف في الخطاب، ويُجرَّد الإنسان من حقه في الحياة لمجرد اختلافه.
إن استهداف الأبرياء وانتهاك حرمة الإنسان ومكان العبادة سقوطٌ أخلاقي وإنساني لا تبرّره عقيدة، ولا يغسله شعار، ولا تمنحه أي ذريعة حصانةً من العدالة. وحين يُستغل الدين لتبرير القتل، يصبح واجبنا أن نواجه هذا الانحراف بحزمٍ لا يتردد، ووعيٍ لا يساوم على كرامة الإنسان.
لقد أثبتت التجارب أن التطرف لا يبدأ بالضرورة من فوهة بندقية؛ فقد يبدأ بفكرة تُقصي الآخر، وخطابٍ يُغذّي الكراهية، وصمتٍ يسمح للتحريض بالتسلل إلى العقول حتى يتحوّل إلى فعل إجرامي. وهنا تكمن المأساة الأعمق: أن يُقنع الفكر المنحرف إنسانًا بأن الاعتداء على حياة غيره بطولة، وأن يصوّر له القتل طريقًا إلى غاية متوهّمة.
ومن هنا، لا يكفي أن ندين الجريمة بعد وقوعها؛ بل لا بد من مواجهة جذورها الفكرية والاجتماعية، وإنفاذ القانون ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية في بناء وعيٍ يرفض التعصب ويحمي المجتمع من الانزلاق إلى العنف. كما ينبغي التصدي للشائعات والاتهامات الجماعية، فالمسؤولية يحددها التحقيق والقضاء، ولا يجوز أن تتحول الجريمة إلى ذريعة لإشعال فتنة جديدة.
وفي خضم هذا الألم، تتجلى أهمية الموقف الملكي في زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني للمصابين، والاطمئنان على أحوالهم؛ وهي لفتة إنسانية تحمل معاني التضامن والمسؤولية، وتجسّد قرب القيادة من أبناء شعبها في أوقات المحن. فالقيادة الحقيقية لا تكتفي بالتعبير عن الموقف، بل تحضر إلى جانب الناس، وتشاركهم وجعهم، وتؤكد أن كرامة المواطن وسلامته في صميم المسؤولية الوطنية.
إن هذا الحضور الملكي يعيد التأكيد على حقيقة راسخة في وجدان الأردنيين: أن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة الخطر، بل أيضًا بقدرتها على احتضان أبنائها، وصون حقوقهم، وبث الطمأنينة في نفوسهم. وتبقى القيادة الهاشمية، بما تمثله من رمزية وطنية وتاريخية، عنوانًا لوحدة الأردنيين والتفافهم حول دولتهم ومؤسساتهم الدستورية، في مواجهة كل ما يستهدف أمن الوطن واستقراره.
لقد بُني الأردن على التآخي بين المسلمين والمسيحيين، وعلى الإيمان بأن المواطنة تجمع ولا تفرّق، وأن اختلاف المعتقد لا ينتقص من وحدة المصير. فالمسجد والكنيسة جزءان من ذاكرة الوطن ووجدانه، وأي اعتداء على مواطن بسبب معتقده هو اعتداء على قيم الأردن وهويته ونسيجه الاجتماعي.
ومن واجبنا أن نصون هذا الإرث، وأن نلتف حول قيادتنا الهاشمية، وأن نحمي وحدتنا الوطنية من كل فكرٍ يسعى إلى تقسيم المجتمع أو زعزعة الثقة بين أبنائه.
إن المرحلة تتطلب موقفًا وطنيًا يتجاوز الانفعال الآني إلى عملٍ جاد: عدالةً حازمة، ومواجهةً فكرية للتطرف، وتربيةً على قبول الآخر، وتعاونًا وثيقًا بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالأمن لا يستقيم بالقوة وحدها، بل بالعدالة والوعي والثقة المتبادلة، ولا تنتصر الأوطان على الإرهاب إلا حين تجفّف منابعه وتحمي عقول أبنائها من سمومه.
رحم الله الضحايا، ومنح ذويهم الصبر، وشفى المصابين، وحفظ الأردن آمنًا مستقرًا، وأدام عليه نعمة الوحدة والتآخي، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني وولي عهده الأمين، وأعان قيادتنا الهاشمية على مواصلة مسيرة حماية الوطن وخدمة أبنائه.