facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تُسلَّح العقيدة: تفكيك الهوية الوطنية وإعادة إنتاج الهيمنة


م. سعيد المصري
24-10-2026 11:13 AM

أرى أن الخطر في توظيف السرديات الدينية سياسياً يتجاوز تبرير حرب أو حشد جمهور وراء قيادة. إنه يمس الأساس الذي تنتظم عليه حياة الشعوب: المساواة في الكرامة، والحق في الوطن، والثقة بأن الاختلاف الديني والثقافي لا يلغي الشراكة في المجتمع. وحين تُستخدم العقيدة لإعادة تصنيف الناس بحسب استحقاقهم للأرض والحقوق والحماية، تصبح أداة لشرذمتهم وحرمانهم من السلم المجتمعي، وتفتح الطريق أمام الهيمنة على مقدراتهم.

وتقوم قراءتي على أن تقاطع قوى قومية ودينية يمينية، تمتد شبكاتها بين الأمريكيتين وأوروبا وإسرائيل، يهيئ لنهج يعيد ترتيب العلاقة مع مجتمعات الشرق: إضعاف الهوية الوطنية الجامعة، وتقديم السكان باعتبارهم جماعات متمايزة تحتاج إلى حمايات منفصلة، ثم بناء علاقات معها تسهّل التدخل وتقييد السيادة. وهذه أطروحة لتفسير مسار أرى مؤشرات على تشكله، وليست ادعاءً باكتشاف خطة موحدة تتولى قيادة واحدة تنفيذها.

فقد تتلاقى مصالح هذه القوى رغم اختلاف عقائدها وأولوياتها. وما يستحق البحث هو انتقال هذا التلاقي من الخطاب إلى القرارات والتحالفات، ثم إلى أثره في الأرض والسكان والمؤسسات. كما أن وجود قوى غربية تقاوم هذا النهج، وحضور التوظيف السياسي للدين خارج الغرب، يفرضان تحديد المسؤوليات في أصحاب المشاريع والقرارات، دون تعميمها على شعوب أو أديان بأكملها.

حمل النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية وعداً بحماية كرامة الإنسان وتنظيم العلاقات بين الدول بقواعد مشتركة. ورغم تناقضات التطبيق، منح هذا الوعد الشعوب مرجعية تطالب من خلالها بحقوقها وتحاجج الأقوياء بمعيار يتجاوز إرادتهم. أما الخطر المتجدد فهو إحلال الاستحقاق الخاص محل الحق المشترك: جماعة تُقدَّم مطالبها باعتبارها مقدسة، وأخرى تُعلَّق حقوقها على قبول تلك المطالب.

هنا يؤدي تسليح السردية الدينية وظيفته السياسية. تتحول السيطرة على الأرض إلى تنفيذ لوعد، ويُصوَّر الشعب المقيم عليها باعتباره عائقاً أمام إنجازه، وتصبح مقاومة الإخضاع قابلة للتقديم بوصفها اعتراضاً على إرادة إلهية. ولا يحتاج هذا الخطاب إلى إقناع المستهدفين به؛ يكفي أن يمنح جمهور القوة المعتدية وحلفاءها مبرراً أخلاقياً لتأييدها أو الصمت عن أفعالها.

وتظهر بعض ملامح التقارب السياسي في العلاقة بين اليمين الإسرائيلي وقوى من اليمين الأوروبي المتطرف. ففي مارس ٢٠٢٥ شاركت شخصيات، بينها جوردان بارديلا، في مؤتمر لمكافحة معاداة السامية نظمته وزارة شؤون الشتات الإسرائيلية في القدس، بينما قاطعته شخصيات يهودية اعتراضاً على تلك المشاركة. وتكشف الواقعة عن تعاون معلن، وعن مقاومة لهذا التعاون داخل الأوساط اليهودية نفسها.

وفي تقديري، يسمح هذا التقارب بتبادل الشرعية والدعم: يقدم طرف أوروبي تأييده لإسرائيل دليلاً على ابتعاده عن إرث معاداة اليهود، ويجد اليمين الإسرائيلي شركاء في خطابه الأمني والحضاري. ويصبح الخطر أشد عندما يقترن ذلك بتصوير المسلمين أو المهاجرين أو المتضامنين مع فلسطين كتلةً تهدد المجتمع، فتُختزل جماعات متنوعة في هوية متهمة.

وفي أمريكا اللاتينية، قدمت علاقة جايير بولسونارو بإسرائيل مثالاً آخر على هذا التقارب، تجسد في وعد نقل السفارة البرازيلية إلى القدس. وقد واجه التوجه اعتراضات اقتصادية خشيت الإضرار بالتجارة مع الدول العربية، بما يوضح أن الاندفاع الأيديولوجي يتحرك داخل مصالح متنافسة يمكن أن تدعمه أو تقيده.

أما السرديات التي تغذي هذا المناخ فتختلف في مضمونها، لكنها تستطيع الالتقاء في وظيفتها السياسية. يستدعي الخطاب القومي الديني الإسرائيلي روايات العهد والعودة والقدس والمشيح لربط الدولة الحديثة بميراث مقدس. وتبدأ المشكلة حين يُحوَّل هذا الميراث إلى استحقاق حصري يتجاوز حقوق شعب آخر يعيش على الأرض نفسها. عندها يُستدعى الماضي لإلغاء مقتضيات الحاضر، ويصبح التفوق العسكري وسيلة لفرض تفسير بعينه.

وفي بعض تيارات الصهيونية المسيحية، يُقرأ قيام إسرائيل وتجمع اليهود باعتبارهما متصلين بنبوءات عودة المسيح. وتتضمن بعض الصيغ التدبيرية تصورات عن الاختطاف والضيقة وهرمجدون والحكم الألفي. وتكتسب هذه القراءة أثرها السياسي عندما يصبح دعم سياسات الدولة الإسرائيلية واجباً دينياً يتقدم على مساءلتها عن نتائج أفعالها.

ولا يشترط التحالف اتفاقاً على النهاية اللاهوتية. فقد يرى طرف في التوسع إنجازاً لوعد قومي ديني، ويرى آخر في دعمه تمهيداً لخلاص مختلف. وفي المقابل، يستدعي بعض اليمين الأوروبي المسيحية بوصفها هوية حضارية تحدد الانتماء وتستبعد المختلف، حتى دون التزام لاهوتي متماسك. وهكذا تتجاور سرديات الأرض والخلاص والحضارة، وتلتقي حين تمنح جماعة حقوقاً استثنائية على حساب غيرها.

وتقدم فلسطين أوضح اختبار للأثر السياسي لهذه السرديات. ففي أغسطس ٢٠٢٥ ارتبط دفع مشروع الاستيطان في منطقة E1 بتصريح من مكتب بتسلئيل سموتريتش عن إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية. وتتجسد خطورة المشروع في تقطيع المجال الفلسطيني وإضعاف اتصاله بالقدس الشرقية، بما يحول السيطرة على الجغرافيا إلى وسيلة لمنع السيادة.

وفي فبراير ٢٠٢٥ طرح دونالد ترامب تصوراً للسيطرة الأمريكية على غزة ونقل سكانها، قبل أن تقدم إدارته توضيحات تتحدث عن نقل مؤقت لإعادة الإعمار. وقد كشف الطرح خطورة التعامل مع مستقبل الأرض خارج إرادة أهلها، وتحويل قضية شعب وحقوق وطنية إلى مسألة إدارة سكان وتطوير عقارات.

وأخشى أن يقود تراكم هذه السياسات إلى تجمعات فلسطينية تدير احتياجاتها اليومية، بينما تفتقد السيطرة على الأرض والحدود والموارد والحركة. وحين تتدهور شروط الحياة، قد تصبح المغادرة نتيجة ضغط متواصل، ولو وُصفت بأنها اختيارية. وتمتد تبعات هذا المسار إلى الأردن والدول المجاورة، عبر تحميلها نتائج سكانية واقتصادية وأمنية تمس استقرارها وسيادتها.

وفي دول الجوار التي عانت من أنظمتها البائدة وما أعقبها من نزاعات، يتضح خطر تفكيك المجتمعات عندما يتراجع المواطن أمام الطائفة أو العرق، وتصبح الجماعة وسيطًا إلزاميًا للحصول على الحقوق والحماية. عندها تفقد المؤسسات الوطنية ثقة الناس، وتتقدم قيادات تستمد نفوذها من الخوف المتبادل، ويغدو الارتباط بحامٍ خارجي بديلًا عن الانتماء إلى دولة عادلة.

ولا تنشأ هذه القابلية من الخارج وحده؛ فقد أسهم إرث الاستبداد والفساد والتمييز والتفاوت التنموي في تلك الدول في إضعاف الرابطة الوطنية، ومنح التدخل الخارجي منافذ جاهزة. كما تتحمل القوى المحلية مسؤوليتها حين تستخدم مظالم جماعاتها ومخاوفها لتعزيز سلطتها، فتُديم الانقسام الذي تزعم حمايتها منه.

ويمكن أن يتطور التفكيك عبر تمويل وحماية وتسليح وخدمات تُوزَّع على أساس الانتماء، حتى تصبح لكل جماعة مصالحها الأمنية والاقتصادية المنفصلة. ويستمر البلد موحداً على الخريطة، بينما يتشظى القرار داخله. وهذه النتيجة تختلف عن الاعتراف المشروع بالتنوع أو اللامركزية؛ فهما يقويان الدولة حين يقومان على المساواة والمؤسسات المشتركة.

إن أخطر آثار هذا المسار حرمان الشعوب من السلم المجتمعي. يصبح الجار موضع اشتباه بسبب هويته، والخلاف السياسي نزاعاً وجودياً بين جماعات، والذاكرة المشتركة سجلاً متبادلاً للمظالم. وتتوارث الأجيال الخوف، فتزداد كلفة المصالحة، وتصبح المجتمعات أكثر قابلية للاستنزاف والتدخل.

وفي هذه البيئة تتجدد الهيمنة دون حاجة إلى احتلال شامل. تبقى الأعلام والوزارات، بينما ترتبط القرارات الحاسمة بمن يملك التمويل والسلاح والطاقة والمنافذ. ويصبح وصف «الاستعمار بحلة جديدة» ذا معنى عندما تُستخدم هذه التبعية لفرض القرار، ويعجز المجتمع عن تنويع علاقاته أو الاعتراض دون تهديد مقومات حياته.

ومن هذا المنظور أقرأ احتمال اتساع النفوذ الإسرائيلي إقليمياً: قدرة على التأثير في سقوف التسليح وترتيبات الأمن والمنافذ ومشاريع التنمية، بما يقيّد استقلال المحيط. وإذا استُخدم تعبير «إسرائيل العظمى» بهذا المعنى، فهو يشير إلى امتداد القدرة على فرض الشروط، لا إلى خريطة ضمّ أزعم ثبوت اعتمادها.

وتدخل إيران وتركيا وباكستان في تحليل موازين القوة التي قد تعوق هذا الامتداد. وقد يؤدي استنزافها بأزمات متزامنة إلى تقليص قدرتها على التأثير، لكن ذلك لا يثبت وجود خطة موحدة لاستهدافها بالتتابع. المطلوب تتبع من يغذي النزاعات، وكيف تُستخدم الانقسامات، ومن يستفيد من إضعاف الدول، مع إبقاء مسؤولية الأطراف المحلية حاضرة.

كما ينبغي اختبار الاتفاقات الثنائية ومشاريع التعاون الإقليمي بمدى احترامها السيادة والأمن المتبادل. فمن حق الدول العربية السعي إلى السلام، لكن استدامته تتضرر حين يقترن التعاون بتوسيع السيطرة أو تهديد السكان بالتهجير. والتنمية التي تجعل ازدهار المجتمع مشروطاً بإذعانه تعيد إنتاج التبعية، مهما ارتفعت عوائدها الآنية.

وفي الثالث والعشرين من تشرين الأول ٢٠٢٦، شهدت كنيسة حمود في محافظة الكرك اعتداءً مسلحًا خلال تشييع جنازة، أسفر، وفق إعلان وزير الصحة مساء ذلك اليوم، عن سبع وفيات، فيما راجعت أربعون حالة المستشفيات الحكومية والعسكرية، بينها حالتان حرجتان. وقد وصفت السلطات الاعتداء بأنه عملية إرهابية، فيما استمرت التحقيقات وملاحقة المنفذين دون إعلان نتائج نهائية بشأن ارتباطاتهم. وأعقب الجريمة إعلان الحداد العام وزيارة جلالة الملك عبدالله الثاني للمصابين، وسط تأكيد على وحدة الأردنيين ومحاسبة مرتكبي الاعتداء.

وللحالة الأردنية خصوصيتها التي ينبغي الحفاظ عليها عند قراءة هذه الجريمة في سياق تسليح السرديات الدينية. فالأردن يتميز باستقرار دولته واستمرارية مؤسساته وقيادته الهاشمية، وبروابط اجتماعية راسخة تجمع أبناءه المسلمين والمسيحيين في هوية وطنية مشتركة.

ولذلك لا يجوز إسقاط أوضاع دول الجوار، التي عانت من ممارسات أنظمتها البائدة وما أعقبها من نزاعات وتفكك، على التجربة الأردنية. إن الصلة بأطروحة هذا المقال تتمثل هنا في خطر استخدام التحريض الديني للاعتداء على هذا الاستقرار، وتحويل الاختلاف في العقيدة إلى مدخل للخوف والشك بين شركاء الوطن. وبغض النظر عما تكشفه التحقيقات عن هوية الفاعلين وارتباطاتهم، فإن الأثر الذي يجب منع الجريمة من إحداثه هو المساس بثقة الأردني بأن انتماءه الوطني يكفل له الأمن والكرامة والمساواة. وتبقى حماية الوحدة الوطنية وتعزيزها مسؤولية دائمة في جميع الظروف، تتجسد في سيادة القانون، ومواجهة التكفير والتحريض، وصون دور العبادة، والتضامن مع الضحايا وعائلاتهم باعتبار مصابهم مصابًا للأردن كله. فالمسيحيون الأردنيون أصحاب وطن وشركاء أصيلون في بنائه ومؤسساته ومستقبله، وحماية أمنهم وحقوقهم جزء لا يتجزأ من حماية أمن الأردن وهويته الجامعة. ومن هنا، تكون مواجهة تسليح السرديات الدينية في الأردن عملًا وقائيًا مستمرًا يصون تجربة الاستقرار، ويمنع أي اعتداء من التحول إلى شرخ في المجتمع أو ذريعة للتدخل في شؤونه.

وعلى المستوى الإقليمي، تتطلب مواجهة هذا المسار دولًا تصون حقوق مواطنيها دون وساطة طائفية، واقتصادات تمنحها قدرة على الاختيار، وتعاونًا يحمي التنوع والسيادة معًا. ويتصل بذلك رفض التهجير ودعم حق الفلسطينيين في تقرير مستقبلهم. كما تتحمل المؤسسات الدينية والفكرية مسؤولية كشف انتقال التأويل من مجال الاعتقاد إلى أدوات التحريض والقرار والقوة.

ما يهدد شعوب العالم هو أن تصبح كرامتها رهينة موقعها في سردية الآخرين، وأن يُحوَّل تنوعها إلى سبب لتمزيقها. فحين تُمنح الهيمنة صفة القداسة، تتعرض الأرض للاقتلاع والمجتمعات للشرذمة والإنسان لفقدان حقه في حياة آمنة. وحماية هذا الحق تقتضي إبقاء السلطة مسؤولة عن أفعالها، مهما كانت الرواية التي تستخدمها لتبريرها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :