«رح نورجيهم»… حين يقرع الجرس، ويتكلم الدم، ويحسم الملك
بهاء الشنتير
24-10-2026 12:57 PM
في الكرك، لم يكن الوجع حادثةً عابرةً في ذاكرة الأردنيين، بل لحظةً تكشّفت فيها حقيقة هذا الوطن: حين يُصاب أحد أبنائه، لا يبقى الألم حبيس بيته، ولا ينحصر الحزن في مدينته؛ بل تتحوّل البلاد كلّها إلى قلبٍ واحد، ينبض بالوجع، ويتحرّك بالوفاء، ويقف في وجه كلّ ما يهدّد أمنها ووحدتها.
وفي قلب هذا المشهد، حضر جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظّم إلى الميدان، مرتديًا بزّته العسكرية، متفقّدًا المصابين، وقريبًا من أبناء شعبه في لحظةٍ لا تحتمل المسافة بين القائد ومواطنيه. لم تكن البزّة العسكرية مجرّد لباس، بل رسالةً تختصر نهجًا أردنيًا أصيلًا: أن القائد حين تشتدّ المحن، يكون في مقدّمة الصفوف، حاضرًا في الميدان، ثابتًا في القرار، وقريبًا من وجع الناس.
ثم جاءت كلمته: «رح نورجيهم»؛ كلمتان تختصران حزم الدولة وثبات القيادة وإرادة وطنٍ لا يسمح للإرهاب أن يفرض عليه الخوف أو يملي عليه خياراته. لم تكن العبارة انفعالًا عابرًا، بل تعبيرًا عن ثقةٍ بدولةٍ تعرف كيف تحمي أمنها، وتصون كرامة أبنائها، وتُخضع كل من يهدّد سلامة الأردنيين لميزان القانون والعدالة.
لكن رسالة الأردن لم يحملها صوت الملك وحده؛ حملتها أيضًا أجراس الكنائس، وهي تقرع تكريمًا للضحايا، وحملتها أيادي الأردنيين التي امتدّت للتبرع بالدم وإنقاذ المصابين. قرع الجرسُ باسم الإنسان، وتدفّق الدمُ من أجل الإنسان، وتقدّم الملكُ لحماية الإنسان؛ فكانت الأجراس صوت الأردن، والدم نبضه، والملك إرادته.
لم يكن الجرس صوتًا ينعى الضحايا فحسب، ولم يكن الدم الذي تدفّق من أذرع الأردنيين مجرّد محاولةٍ لإنقاذ المصابين، ولم يكن حضور الملك ببزّته العسكرية مجرّد زيارةٍ للميدان؛ بل كانت هذه المشاهد الثلاثة فصولًا من حكاية وطنٍ واحد. قرعت الأجراس لتقول إن الحزن لا يعرف دينًا، وتدفّق الدم ليبرهن أن الأخوّة لا تسأل عن هوية، وحضر الملك ليؤكد أن أمن الأردنيين وكرامتهم عهدٌ لا تساوم عليه الدولة.
كان الجرس صوت الضمير، وكان الدم نبض التضامن، وكان الملك إرادة الأردن حين تتحوّل المحنة إلى موقف.
وكأن الأردن في تلك اللحظة نطق بثلاث لغات: كنائسه قرعت للإنسان، وأبناؤه قدّموا من دمهم لإنقاذ الإنسان، وقيادته وقفت بحزمٍ لتحمي الإنسان. من رنين الجرس إلى نبض الدم، ومن نبض الدم إلى موقف الملك، امتدّ خيطٌ واحد اسمه الأردن؛ وطنٌ لا تفرّقه دور العبادة، ولا تضعف روابطه المحن، ولا يترك أبناءه وحدهم في مواجهة الخطر. وحين قال الملك «رح نورجيهم»، جاءت الأجراس والدماء لتكملا المعنى: سنُريهم وطنًا يتوحّد في حزنه، ويتسابق أبناؤه في عطائه، ويحسم قراره بثبات قيادته.
وتهافت الأردنيون إلى حملات التبرع بالدم، في مشهدٍ جسّد أسمى معاني الأخوّة والانتماء؛ إذ لم يسأل الدم عن دينٍ أو أصل، ولم تتردد الأيادي حين نادى الجرح. كانت قطرات الدم رسائل حبّ حمراء، تقول إن الأردن حين يُصاب أحد أبنائه، تتدفق إنسانية الوطن كله لإنقاذه؛ فهنا لا يتبرع الأردني بدمه فحسب، بل يمنح أخاه نبضًا من قلبه.
وهذه هي الأردن التي لا يستطيع الإرهاب أن يفهم سرّها: بلدٌ تتجاور فيه المآذن وأجراس الكنائس، وتلتقي فيه القلوب على محبة الأرض، ويقف فيه الأردني إلى جانب أخيه لأن رابطة الوطن أعمق من كل محاولةٍ للفرز والتقسيم. فالمسجد والكنيسة ليسا عنوانين للاختلاف، بل شاهدان على وطنٍ يحمي حرية العبادة، ويصون كرامة الإنسان، ويؤمن بأن التنوع مصدر قوة حين تحرسه المواطنة والعدالة وسيادة القانون.
إن مواجهة الإرهاب لا تكون بالكلمات وحدها، بل بترسيخ هيبة الدولة، ومحاسبة كل من يعتدي على أمن المجتمع، وحماية السلم الأهلي من كل خطابٍ يسعى إلى زرع الكراهية. فالأردن الذي يرفض الخوف، يرفض كذلك أن تتحوّل الجريمة إلى بابٍ للفتنة؛ لأن انتصار الوطن لا يتحقق فقط بإحباط التهديد، بل أيضًا بحماية وحدته، وصون نسيجه الاجتماعي، والتمسّك بقيمه التي جعلت منه وطنًا عصيًّا على الانقسام.
«رح نورجيهم»؛ سنُريهم أردنًا يقرع جرسه للإنسان، ويهبّ بدم أبنائه لإنقاذ الحياة، ويحسم ملكه بحزم الدولة وثبات القيادة. سنُريهم وطنًا لا تفرّقه دور العبادة، ولا تقسّمه الفتن، ولا تكسره المحن؛ لأن الجرس فيه صوت الوحدة، والدم فيه عهد الأخوّة، والملك فيه إرادة وطنٍ لا يتراجع عن حماية أبنائه. فهذا الأردن، حين يُمتحن، لا تتباعد أجراسه عن نبض أبنائه، ولا تنفصل إرادة شعبه عن عزيمة قيادته؛ بل تتوحّد الأصوات والقلوب والقرارات في موقفٍ واحد: الأردن أقوى بوحدته، وأصلب بقيادته، وأبقى من كل من يحاول النيل منه.