بعد التضامن، ماذا سنغيّر؟
أ.د. علي حياصات
25-10-2026 10:31 AM
كانت الوقفة التضامنية أمس أمام كنيسة الخضر وسط مدينة السلط تعبيرًا طيبًا عن وجع الناس ووقوفهم إلى جانب أهلهم في حمود. لهذه اللقاءات قيمتها، فهي تواسي وتشدّ أزر المفجوعين وتؤكد ما بيننا من روابط. لكننا نحتاج، بعد أن نعود إلى بيوتنا، إلى ما هو أبعد من ذلك. فالفكر الذي يبرر قتل الأبرياء يحتاج إلى مواجهة طويلة، تتجاوز لحظة الغضب والتضامن.
ومع تصاعد الدعوات إلى تجفيف منابع التطرف، يصبح السؤال، هل نحن مستعدون لمراجعة ما يُقال ويُدرّس باسم الدين، أم سنكتفي بإدانة النتائج ونترك ما يغذيها بعيدًا عن النقاش؟
كيف يصل إنسان إلى الاعتقاد بأن إطلاق النار على أناس يودّعون عزيزًا عليهم عمل يرضي الله؟ هذا الاعتقاد يستدعي فحص الطريق الذي تشكّل عبره، والمقولات التي منحته شرعية في ذهن صاحبه. وهنا علينا أن نسأل عن تفسيرات ومرويات نشأت وسط صراعات بشرية، ثم ورثناها وقد اكتسب بعضها قداسة تحميه من السؤال. أين ينتهي النص القرائني، وأين يبدأ فهم البشر له؟ وكيف أصبحت آراء قيلت قبل قرون أحكامًا يستدعيها بعضنا لمحاكمة مجتمع اليوم؟
المطلوب أن يتعلم الشاب السؤال عن مصدر القول وسياقه ومعناه، وأن يعرف أن الاختلاف مع تفسير لا يعني الخروج من الدين. وهذا يقتضي مراجعة فعلية للمناهج وكيفية إعداد المعلمين والوعاظ في المساجد، ومعالجة كل ما ينتقص حقوق الإنسان بسبب معتقده، أو يقدم صراعات الماضي كأنها واجبات تنتظرنا. كما يقتضي حماية من يناقش هذه الأفكار من التهديد والإقصاء والتكفير. فقد تراجعت أصوات كثيرة خوفًا، واتسعت المساحة أمام من يتحدث بيقين ولا يقبل سؤالًا.
وللمساجد مسؤولية كبيرة في ذلك. الخطيب القريب من الشباب يستطيع أن يحاورهم ويفتح أمامهم باب الفهم. لكن حين ينشغل الخطاب بملاحقة تفاصيل حياتهم وتأثيم أفراحهم، فمن حقنا أن نسأل عن أثره. وعلى وسائل التواصل نرى من يؤنّب شبابًا يغنون في عرس، وحملات تهاجم كل احتفال فني وتشكك في أخلاق المشاركين فيه. لصاحب الرأي الديني أن يعبّر عنه، لكن بأي حق يمنح نفسه سلطة على ضمائر الناس وحياتهم؟
لا يقود كل تشدد إلى العنف، لكن تعويد الشباب على رفض المختلف والتشكيك في إيمانه يستحق المواجهة قبل أن يتطور إلى قبول الاعتداء عليه. ولا يكفي أن نطلب منهم احترام الآخرين فيما نترك خطاب إدانة هؤلاء الآخرين يلاحقهم كل يوم.
ثم ماذا قدمنا للشباب؟ أين المشروع الثقافي الذي يجذبهم، ومساحات الفن والقراءة والنقاش التي يجدون فيها أنفسهم؟ لقد عجزت الأحزاب إلى حد بعيد عن استقطابهم ومنحهم دورًا مؤثرًا. ولا يُملأ هذا الفراغ بندوة عابرة أو محاضرة تطلب منهم الاعتدال. يحتاجون إلى أماكن متاحة ونشاط مستمر، وإلى فرصة ليكونوا شركاء في صنع ما يُقدَّم لهم.
ويحتاجون أيضًا إلى عدالة يلمسونها. فالشاب الذي يجتهد ويرى الفرص تذهب إلى أصحاب الواسطة لن تقنعه خطبة عن الصبر. الشعور بالظلم وانسداد المستقبل لا يبرر التطرف، لكنه جانب لا يجوز تجاهله ونحن نبحث عمن يستثمر غضب الشباب ويقدم لهم انتماءً وإجابات جاهزة.
يمكن أن نبدأ بخطوات محددة، مراجعة معلنة للمحتوى التعليمي والديني، وتدريب المعلمين والوعاظ على الحوار، وفتح المراكز الثقافية أمام الشباب ببرامج يشاركون في اختيارها وإدارتها. ثم نقيس ما تغير في قدرتهم على التفكير وقبول الاختلاف، بدل الاكتفاء بعدد الأنشطة وصورها.
الوقفة أمام كنيسة الخضر مهمة، ويكتمل معناها حين تحملنا إلى هذا العمل. أهلنا في حمود يستحقون أن نواجه الأسئلة الصعبة التي اعتدنا تجاهلها او تأجيلها، وأن نغيّر شيئًا قبل أن ندعو إلى وقفة تضامن أخرى لا سمح الله.